فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 79

وقد اختلف المسلمون -الصحابة فمن بعدهم- اختلافات كثيرة في مسائل كثيرة، فمن الخطأ تبرم بعض الدارسين من أي اختلاف وضيقهم بذلك، وكأنهم يريدون الناس قوالب مصبوبة لا يزيد بعضها على بعض، ولا ينقص!

ومن مسؤولية الباحث في الفقه: الاطلاع على الخلاف، وتقديره حق قدره؛ فإن من لم يعرف الخلاف ليس في الحقيقة بعالم؛ ولهذا يقول قتادة رحمه الله:"من لم يعرف الاختلاف لم يشم الفقه بأنفه" (1) .

ويقول سعيد بن أبي عروبة رحمه الله:"من لم يسمع الاختلاف فلا تعدوه عالمًا" (2) .

وذلك أن الجهل بالخلاف قد يؤدي إلى رد بعض الحق الذي لا يعلمه؛ إذ الحق غير منحصر في قول فرد من العلماء كائنًا من كان؛ ولذلك روى عثمان بن عطاء، عن أبيه قوله:"لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس، حتى يكون عالمًا باختلاف الناس، فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه" (3) .

وجهل المرء بالخلاف يُجَرِّئُه على ترجيح ما ليس براجح، واستسهال أمر الفتيا والتحليل والتحريم بمجرد أن يطلع على نص في الموضوع، دون أن يبحث هل ثمة نصوص أخرى تخصصه أو تنسخه أو تقيده..؟ وهذا مدعاة إلى الفوضى التي لا نهاية لها، وإلى إثارة الفتنة في صفوف الناس الذين لا يطيقون كثرة التنقل من قول إلى قول، ومن رأي إلى رأي، خاصة إذا كان مع كل قول دليل، وهذا أمر مشاهد ملموس ينبغي التنبه إليه؛ ولذلك كان التابعي الجليل أيوب السختياني رحمه الله يقول:"أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا باختلاف العلماء، وأمسك الناس عن الفتيا أعلمهم باختلاف العلماء" (4) .

(1) رواه الحافظ ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/ 46) .

(2) رواه الحافظ ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/46) .

(3) رواه الحافظ ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/46) .

(4) نفس الكتاب ونفس الموضع، وفيه: (أبو أيوب) والذي يظهر لي ما أثبته من أنه (أيوب) وقد ورد نحو هذا القول عن سفيان بن عيينة رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت