فهرس الكتاب
وحول طريقة تناول الخلاف ودراسته ينبغي أن يراعى ما يلي:
(1) عدم الشدة على المخالفين:
فإن المرء كلما ازداد فقهه في دين الله عز وجل، زاد رفقه على المخالفين الذين لم يكونوا يريدون غير الحق، والتشنيع على المخالفين وتكفيرهم من سمت أهل الأهواء (1) .
والخلاف المقبول -وهو ما لم يكن بدافع العصبية والهوى؛ بل طلبًا للحق، واجتهادًا في تحصيله بوسيلته- لا ينبغي أن يعنف صاحبه أو يؤاخذ.
وللخلاف أسبابه المعروفة المحددة في كتب أصول الفقه (2) ، والتي بعضها لا مفر منه؛ لأنه جبلة لازمة للناس، وذلك كاختلاف المدارك والأفهام والعقول؛ ولهذا اختلف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؛ فاختلاف من بعدهم أولى وأوسع.
لهذا وغيره يجب على الباحث ألا يكون سريعًا إلى الطعن في المخالفين، أو تسفيه أحلامهم؛ بل يجعل نقاشه منصبًّا على الرأي، أو المسألة المطروحة مجردة عن قائلها ما أمكن.
أما حين يكون سبب الخلاف هو العصبية المذهبية المفضوحة، أو التشبع ببدعة أو هوى، فلا بأس أن يبين الباحث ذلك بيانًا مقنعًا، ومن قبل قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن رام نقض الحق بزخرف الباطل:"إنما هذا من إخوان الكهان" (3) .
ومما يميز الباحث الجاد الذي يهدف إلى الوصول إلى الحق، وإيصاله إلى الآخرين: الحلم، وسعة الصدر على المخالف، والهدوء في المناقشة، وفي ذلك يقول عطاء رحمه الله:"ما أوى شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم" (4) .
ويقول عامر الشعبي:"زين العلم حلم أهله" (5) .
ويقول طاووس:"ما حمل العلم في مثل جراب حلم" (6) .
(1) ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في العديد من كتبه؛ منها. الفتاوى (3/227-231) .
(2) وألف فيه كتب مستقلة منها (أسباب اختلاف الفقهاء) للدكتور التركي.
(3) أخرجه البخاري (5758) ، ومسلم (1681) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) أخرجه الدارمي (576) عن عطاء.
(5) أخرجه الدارمي (577) عن الشعبي.
(6) أخرجه الدارمي (587) عن طاووس.