فهرس الكتاب
(2) عدم عرض جميع الأقوال في جميع المسائل؛ ففي الأقوال الصحيح الذي ينبغي ذكره ونصره، وفيها المرجوح أو الضعيف الذي يذكر من باب الإنصاف -ولو كان على خلاف رأي الباحث- وفيها الساقط المتهالك الذي لا ينبغي الاشتغال بنقله، وحكايته ورده؛ إلا لسبب إضافي يلمحه الباحث.
وقد خلفت العصبية في بعض كتب المذاهب المتأخرة أقوالًا ليس عليها أثارة من علم، والاشتغال بها وبردها مضيعة للوقت والجهد، وهو من التكلف والخوض فيما لا طائل تحته.
ولا نجد داعيًا لذكر الأمثلة؛ امتثالًا لما اقترحناه من عدم الاشتغال بحكايتها!
(3) مناقشة الآراء القوية -بعد عرضها عرضًا سليمًا منصفًا- مناقشة علمية هادئة بعيدة عن الجَنَف (1) ، الذي يحمل بعض الباحثين على الظهور بمظهر المستميت في ترجيح قول، أو تضعيف آخر.
وتتم المناقشة بتصوير المسألة تصويرًا سليمًا بأوضح عبارة، ثم حكاية أدلة كل فريق، وبيان وجه الدلالة فيها للمستدل بها، وما اعترض عليه من ذلك، وما يتعلق بالتصحيح والتضعيف للأسانيد، ثم أجوبة المستدل على الاعتراضات.
(4) ومما يحسن التنبه إليه أنه ما من عالم إلا وله زلة، أبى الله أن تكون العصمة لغير نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن الخطير الولع بالغرائب، والزلات، والتعلق بها، باعتبارها رأي فلان أو فلان ممن يشار إليهم بالبنان.
وما فتئ العارفون يحذرون من مسقطة يجريها الشيطان على لسان فاضل عليم.
فعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر:"هل تعرف ما يهدم الإسلام؟"قال: قلت: لا. قال:"يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين!" (2) .
ولو أن إنسانًا أخذ بكل شواذ الأقوال وغرائبها؛ لربما خرج من الدين، وهو لم يخرج بعد من أقوال العلماء!
ولذلك قيل:
وليس كل خلاف جاء معتبرًا
إلا خلاف له حظٌّ من النظر
(1) الجَنَف: الميل والجور. المعجم الوسيط (1/145) .
(2) أخرجه الدارمي (214) عن زياد بن الحدير.