فهرس الكتاب
ويقول الإمام الجليل عبد الرحمن بن مهدي:"لا يكون إمامًا في العلم من أخذ بالشاذ من العلم" (1) .
(5) ومن الأمانة والإنصاف في نقل الخلاف: الاعتماد في نقل آراء الشيخ على كتبه نفسه -ما أمكن-، والاعتماد في نقل آراء المذهب على كتب المذهب المعتمدة لدى علمائه.
وليس من المقبول نقل آراء مذهب عن كتب مذهب آخر، خاصة إذا كانت كتب المذهب نفسه متوفرة، أو كانت الكتب التي ينقل عنها من الكتب التي عُرِف أصحابها بعدم الدقة في نقل آراء المخالفين، اللهم إلا أن يكون هناك نص عن إمام في مسألة، لم يقف عليه الباحث في مظانه الأصلية، فنقله عن كتب مما ذكرنا فهذا سائغ. كما أن من الأمانة والإنصاف استكمال عرض رأي المخالف، واستيعاب أدلته، وذكر ما عسى أن يكون قد وضعه من شروط، أو ضوابط، أو تفصيلات، أو نحو ذلك، وكان بعض الأئمة حين يعرض آراء المخالفين يستدل لهم بأدلة ربما لم ترد في كتبهم.
.أما فيما يتعلق بالترجيح: فإن أمره خطير:
أ- فهو خطير؛ لأنه لابد منه؛ لأن مجرد عرض الآراء دون ترجيح يوقع القارئ في الحيرة والاضطراب، وإذا كان الباحث الذي جمع هذه الأقوال ونقب عنها لم يرجح، فالغالب أن غيره لا يملك ذلك من باب الأولى.
ب- وهو خطير؛ لأنه يحتاج إلى سعة علم واطلاع، وقدرة على تمحيص الأدلة، ومعرفة قوية بوجوه الترجيح (2) .
ويتصور الإنسان أنه حين يرجح بين آراء جهابذة الأئمة، وعلماء الأمة؛ كأنه حكم في قاعة يختصم فيها هؤلاء، فيستصغر نفسه حينئذ ويتضاءل.
وليس مجرد نقل قول أو سرد أدلته، أو الرد عليها، أو دفع الاعتراضات عنها _ بمعتبر شيئًا بالقياس إلى الترجيح.
بل إن الترجيح فوق ذلك كله، وهو يفتقر إلى المراس والتمرين، والتوفيق الإلهي المترتب على إخلاص النية لله عز وجل، ومما يعين على ذلك:
(1) جامع بيان العلم )2/48(.
(2) انظر: الكفاية للخطيب البغدادي (443) ، وانظر: سائر كتب الأصول في المرجحات.