فهرس الكتاب
-ألا يضمر في نفسه ترجيح قول على آخر؛ لسبب خارج عن طبيعة البحث، كأن يكون محتاجًا إليه في حياته العملية، أو مائلًا إليه لما يحسب فيه من التوسعة والتيسير على الناس، أو لما يحسب في ضده من الحرج والتضييق، أو لما يتوقعه من عدم تقبل الناس له، أو لغرض دنيوي، أو لأنه هو أول ما عرف في المسألة فصار كما قيل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا!
بل يجعل في نفسه: أنه لا فرق بين الأقوال البتة إلا بالدليل، ومتى بان له رجحان أحدها على غيره أخذ به، ورجحه مهما كلف الأمر.
-أن يحرص على تفهم الأقوال، والغوص على مقاصدها ومراميها، ويجتهد في ذلك ما استطاع، فإن من المشاهد أن كثيرًا من الناس يردون الحق لجهلهم به، وعدم تفهمهم له، وعدم نظرهم في أدلته، وقديمًا قيل:
وكم من عائب قولًا صحيحًا
وآفته من الفهم السقيم
ويجب أن يحسن التفهم والاستماع، فمن لم يحسن الاستماع، لم يحسن الكلام (1) .
-ثم يستعرض من أدلة كل فريق، فيمحصها ويعركها: سندًا ومتنًا ودلالة، ويقارن بعضها ببعض؛ بهدف الوصول إلى أقوى الأدلة وأبقاها، وهذه مرحلة خطيرة في الترجيح؛ لأن تغليب قول على آخر يترتب عليها.
-وينبغي الحذر من المرجحات العامة التي لا اعتبار لها، مثل: ترجيح رأي إمام لأنه أقدم، والفضل للسابق! أو لأنه متأخر تسنى له الاطلاع على علم من سبقوه واختيار الصحيح!
-كما ينبغي الحذر من ترجيح ما تألفه النفوس، وتطمئن إليه طمأنينة عادية منبعثة من إلفه، ومعرفته وموافقته للمعهود، أو ملاءمته للواقع.
(1) انظر: الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (2/31) ، وجامع بيان العلم (1/137) .