فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 79

-وليس لإنسان أن يبتكر قولًا بدعًا لم يسبق إليه من قبل في حكم شرعي؛ بل لا يخرج عن مجموع أقوال السلف؛ إذ إن اقتصارهم على هذه الأقوال يعتبر إجماعًا منهم على أن الحق محصور فيها، لا يخرج عن جملتها- وإن اختلفوا بعد ذلك أيها وافق الحق، ولا يظن أن يخفى الحق على جميع الأمة في عصر من العصور.

أما تأليف قول من قولين لأئمة سابقين؛ فيرجح جزءًا من قول هذا، وجزءًا من قول ذاك؛ فليس من هذا القبيل؛ إذ إنه لا يعد خروجًا عن أقوال الأئمة، إلا أن يكون القول الجديد المؤلف من القولين مغايرًا لهما في حقيقته وفحواه، وإن وافق كلا منهما في جزء منه من حيث الصورة فحسب.

-وإذا لم يتمكن الإنسان من الترجيح بكافة الوسائل؛ فليحاول الترجيح الجزئي، كأن يختار قولين قويين من بين مجموع الأقوال، أو يضعف ما ظهر له تضعيفه من الأقوال؛ لأن هذا يسهل مهمة غيره.

-فإذا لم يتبين له وجه الصواب -كليًّا أو جزئيًّا- فليتوقف، ولا يتجشم الصعب الكؤود، فالمسألة مسألة دين وعبادة، وكان بعض السلف يقول:"إنني أستحي من الله أن يدان في الأرض برأيي" (1) .

ولربما يكشف الله للباحث المخلص الحريص النقاب عن وجه الحق فيسفر، ولو بعد حين، أو يكشفه لغيره ممن هو أعلم منه، أو أفقه، أو أكثر تجردًا وإخلاصًا، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

الفصل الخامس

حول فقه النوازل

إن فقه النوازل من أدق مسالك الفقه وأعوصها؛ حيث إن الباحث فيه يطرق موضوعات لم تطرق من قبل، ولم يرد فيها عن السلف قول؛ بل هي قضايا مستجدة، يغلب على معظمها طابع العصر المتميز بالتعقيد والتشابك، والمتميز بابتكار حلول علمية لمشكلات متنوعة قديمة وحديثة، واستحداث وسائل جديدة لم تكن تخطر ببال البشر يومًا من الدهر -والله أعلم-.

(1) أخرجه الدارمي (107) من قول عطاء بن أبي رباح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت