فهرس الكتاب
وهذه وتلك مما أنتجته عقول كفرة لا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر، ولا يرعون للخلق أو العرض أو الدين قدرًا. وذلك في غيبة الأمة المسلمة عن قيادة الحياة البشرية، وخنوسها (1) إلى مؤخرة الرَّكْب؛ بل توقف مسيرتها؛ بل تراجعها إلى الوراء.
وهذه الأمور جعلت معالجة القضايا الجديدة التي أفرزتها الحضارة الغربية، وانتقلت إلى بلاد الإسلام مسألة صعبة خطيرة، تتطلب جهدًا مضاعفًا، وتحريًا طويلًا، ودراسة عميقة للأقوال والأدلة؛ حتى يتميز الحق وينبلج صباحه، خاصة وأنه في كثير من الأحيان يشكل فهم المسألة، وتصورها تصورًا صحيحًا، إذ قد تكون متعلقة بالنواحي الطبية -مثلًا- أو الاقتصادية المتخصصة، أو السياسية، أو غيرها.. مما يحتاج معه إلى وجود المسلم المتخصص الذي يملك تصوير المسألة تصويرًا صحيحًا، وكشف أبعادها لغير المختصين.
وهذا لا يسوّغ النكوص وكثرة التهيب من طَرْق هذه القضايا؛ بل هي من ألزم ما يجب طرقه؛ لأنها تتعلق بحياة الناس ومعاشهم، وتعرض لهم في مختلف أحوالهم، ولابد فيها من الفتيا، ورفع الإشكال عن المسلم الحريص على الالتزام بالشرع، وتحري حكم الله.
والإعراض عن بحث هذه المسائل -بحجة الورع- هو في الحقيقة نكول عما أخذه الله على العالمين من ضرورة البيان وعدم الكتمان، ومن المقرر أن: (تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز) (2) .
إذًا فقد اجتمع في مسألة النوازل أمران:
(1) خنوسها: تأخرها. المعجم الوسيط (1/268) .
(2) هذه قاعدة أصولية مبسوطة في كتب الأصول. انظر على سبيل المثال:"المحصول" (3/279) ، و"المستصفى" (1/192) ، و"المعتمد" (1/315) ، و"روضة الناظر" (1/185) ، و"المنخول" (1/68) ، و"الإبهاج" (2/215) ، و"المسودة" (1/163) ، و"الموافقات" (3/344) ، و"المدخل"لابن بدران (1/270) ، و"إرشاد الفحول" (1/294) .