فهرس الكتاب
(أولهما) صعوبة الفتيا فيها: ولقد كان السلف يتدافعون الفتيا، حتى قال عبد الرحمن بن أبي ليلى:"لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومئة من الأنصار، وما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ودَّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا!" (1) .
وكان سعيد بن المسيب لا يفتي فتيا إلا قال:"اللهم سلمنى" (2) .
و (ثانيهما) لزومها: فهي من المواضع التي يلزم فيها الاجتهاد والفتيا بما ينتج عنه لزومًا كفائيًّا.
وإذا كان المرء لا يرى نفسه أهلًا لذلك، لكن رآه غيره من العارفين كذلك، فليس من حقه التنصل والتهرب والفرار.
يقول ميمون- أبو حمزة - رحمه الله:"قال لي إبراهيم: يا أبا حمزة، والله لقد تكلمت، ولو وجدت بدًّا ما تكلمت، وإن زمانًا أكون فيه فقيه أهل الكوفة زمان سوء!" (3) .
وإبراهيم هذا هو إبراهيم النخعي (4) ، ومع قوله هذا فقد كان يفتي، ويقول:"احتيج إليَّ، احتيج إليَّ" (5) !
فكل باحث يمتلك القدرة على البحث، والتوصل إلى القول الراجح، يلزمه من ذلك ما يلزمه، وإن كان رأيه في نفسه كرأي هذا التابعي الجليل في نفسه أو أشد!
وقد تتعين الفتيا وتلزم فردًا أو أفرادًا هم خيرة أهل الزمان، أو من خيرتهم، وإن كانوا هم يرون أنفسهم دون ذلك، وإن كان فيهم وفيهم؛ فلكل زمان رجاله.
(1) أخرجه الدارمي (135) وفيه- وفي غيره نصوص أخرى كثيرة- كذلك.
(2) التاريخ الكبير للإمام البخاري (3/511) .
(3) أخرجه الدارمي (196) .
(4) انظر ترجمته في"الجرح والتعديل"لابن أبي حاتم (2/144) ،"تهذيب التهذيب"لابن حجر (1/155) .…
(5) الطبقات الكبرى لابن سعد (6/271) ، وحلية الأولياء (4/226) ، وصفة الصفوة (3/86) .