فهرس الكتاب
ولذلك كان العلماء يقولون:"لا يكون فقيهًا في الحادث من لم يكن عالمًا بالماضي!" (1) .
والاطلاع على التاريخ مفيد في مثل هذا، وكم من مسألة يظنها الباحث جديدة حادثة، فيتبين -بعد- أنها ليست كذلك، وقد وقعت أو نحوها في بلدة كذا، وأفتى فيها العلماء!
ولو حقق المرء ودقق، لوجد كثيرًا من الحوادث والنوازل لها جذور عريقة في التاريخ، تُعدُّ هي الأصول أو السوابق التاريخية لها.
وأضرب على ذلك مثالًا واحدًا في مسألة التأمين، فقد يظنها الكثيرون مسألة معاصرة ليس في تراث الفقه الإسلامي، ولا في ماضي المسلمين؛ ما يشهد لها، أو يرشد فيها، ولكن الباحثين يثبتون أن له جذورًا تاريخية، خاصة ما يسمى بالتأمين البحري. وذلك في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي؛ بل أرجعه بعضهم إلى القرن الثاني عشر.
هذا من حيث وجوده في العالم، أما عن اتصاله بحياة المسلمين، فيكفي أن نعلم أن هناك نصًّا في كتاب (المغني) للإمام ابن قدامة الحنبلي يتعلق بموضوع التأمين البحري (2) .
ثم نص آخر في (حاشية ابن عابدين) في الفقه الحنفي (3) .
ثالثًا: بعد تصدر المسألة ومعرفة سوابقها، يستجمع ما يمكن أن يكون دليلًا فيها بالمنع أو الجواز، وينظر في الأصول والقواعد العامة المقررة التي يمكن أن تكون المسألة إحدى جزئياتها؛ إذ النص الواحد، أو القاعدة الواحدة قد يدخل تحتها من الفروع والمسائل القديمة والجديدة ما لا ينتهي عند حد.
وينظر في فتاوى العلماء المعاصرين، أو الهيئات العلمية الموثوقة التي سبق أن تناولت المسألة بالبحث، وأصدرت بشأنها رأيًا -فرديًا أو جماعيًا-.
ويناقش هذه الآراء على ضوء الأدلة والقواعد التي اجتمعت لديه، حتى يطمئن إلى رأي في المسألة.
(1) جامع بيان العلم (2/47) .
(2) انظر المغني (4/565) من طبعة المنار
(3) هو في كتاب الجهاد - باب المستأمن - (3/345، 346) . وانظر في هذا: التأمين البحري لجمال عياد، وبحث التأمين للدكتور مصطفى الزرقا.