فهرس الكتاب
وبعد هذه المرحلة، يستفيد الباحث كثيرًا من مناقشة العلماء والمختصين، وتداول الرأي حول القضية؛ وإنما يحسن النقاش المباشر في هذه المرحلة؛ لأن الإنسان حين يناقش دون تكوين رأي محدد يستحسن -أحيانًا- فكرة من الأفكار المطروحة، ويميل معها، وحين يقطع في البحث مرحلة أخرى؛ يتغير رأيه، فيحتاج إلى المناقشة مرة أخرى، وهكذا.
كما أن النقاش قبل تكوين رأي، يدعو إلى إلغاء شخصية الباحث، وذوبانها في شخصيات الآخرين خاصة حين يكونون -من حيث الجملة- أوسع منه علمًا، وأوضح بيانًا.
الفصل السادس
عدم التسرع في إطلاق ألفاظ التحليل والتحريم
وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن المسارعة في إصدار أحكام التحليل والتحريم، فقال: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى الله الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) [النحل: 116] .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:"ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلل شيئًا مما حرم الله، أو حرم شيئا مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهيه" (1) .
ومن منطلق هذا التحذير الإلهي كان السلف رضوان الله عليهم ينقبضون عن الجزم بما لا نص فيه صريحًا، ولا يكثرون من إطلاق عبارات التحليل والتحريم؛ إنما يعبرون عما يشعرون بذلك، دون تصريح بالإيجاب أو المنع.
وهذا كان مئنة (2) فقههم، وورعهم، ومحاسبتهم لأنفسهم، وقد نُقِل هذا عن كثير من السلف، كما قال الأعمش:"ما سمعت إبراهيم قط يقول: حلال، ولا حرام؛ إنما كان يقول: كانوا يكرهون، وكانوا يستحبون" (3) .
(1) تفسير ابن كثير (2/232) .
(2) مَئِنَّة: مخلقة ومجدرة ومظنة. لسان العرب (13/398) ، غريب الحديث لابن سلام (4/61) .
(3) أخرجه الدارمي (184) عن الأعمش وهو سليمان بن مهران الكاهلي.