فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 79

وكان الإمام أحمد رحمه الله يتوقف في كثير من المسائل ويحجم عنها، وإذا أجاب كان يتجنب التصريح ما وسعه ذلك (1) .

ويقول الإمام مالك رحمه الله:"لم يكن من أمر الناس، ولا من مضى من سلفنا، ولا أدركت أحدًا أقتدي به؛ يقول في شيء: هذا حلال، وهذا حرام، وما كانوا يجترؤون على ذلك؛ وإنما كانوا يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسنًا، ونتقي هذا، ولا نرى هذا.. ولا يقولون حلال ولا حرام" (2) .

والآثار في ذلك عن السلف كثيرة.

ولكننا نرى أن إطلاق لفظ التحريم، أو الإباحة، أو نحوهما؛ ينبغي أن يكون في بعض الحالات، ومنها:

أولًا: إذا كان الحكم قد دل عليه دليل صحيح صريح، ولم يصرفه عنه صارف، أو ثبت الحكم بالإجماع المنقول نقلًا صحيحًا؛ ولذلك عقب الإمام ابن عبد البر على كلمة الإمام مالك السابقة، بقوله:"معنى قول مالك هذا: أن ما أخذ من العلم رأيًا واستحسانًا؛ لم نقل فيه حلال ولا حرام والله أعلم" (3) .

ثانيًا: إذا رأى الباحث بالدليل تحريم أمر من الأمور، ورأى الناس قد قلت هيبتهم للشرع، وصاروا يتهالكون على ذلك دون رادع يردعهم، ولو قيل لهم من العبارات ما لا يفهم منه التحريم لأوغلوا أكثر وأكثر، فمن الملائم أن يقول لهم ما توصل إليه من التحريم صراحة؛ بل ويؤكد ذلك بسرد أدلته وذكر العلماء المانعين له، وأسباب تحريمه ونحو ذلك.

ومثله لو مست الحاجة لأمر من الأمور، وتوقف العمل به على فتيا بإباحته، وتوصل الباحث بعد الجهد العلمي المجرد لإباحته، فمثل هذا تدعو الحاجة إلى ذكر لفظ الإباحة، خاصة إذا كان يتعلق بأهل تقى وورع لا يدخلون في أمر، حتى يعلموا حكم الله فيه بوضوح.

الفصل السابع

العناية بالتربية والعبادة والبناء الخلقي

(1) انظر الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث للدكتور/ عبد المجيد محمد (ص 416 وما بعدها) .

(2) جامع بيان العلم (2/146) .

(3) جامع بيان العلم (2/146) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت