فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 79

وهذا موضوع مهم جدًّا، ويحتاج إلى معالجة خاصة غير التي نعرضها هنا، ولكننا نشير إلى جوانب منه استكمالًا للموضوع.

وأول ما ينتبه إليه هنا هو: أن يحرص المتفقه على الالتزام بالشرع، والجمع بين العلم والعمل، وأن يكون قدوة للعامة وغيرهم: بشخصه، وعمله، وعبادته، وخلقه.. قبل أن يكون قدوة بعلمه وفتواه.

والفقه الحق هو العمل والانقياد؛ ولهذا لم يكن سلف هذه الأمة يسمون الرجل:"فقيهًا"أو"عالمًا"لمجرد علمه وحفظه، حتى يضم إلى ذلك العمل، والخشية، والورع، والتقوى.

ففي الحديث عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال:"هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء". فقال زياد بن لبيد الأنصاري رضي الله عنه: يا رسول الله، وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فو الله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا! فقال:"ثكلتك أمك يا زياد! إن كنتُ لأعدُّك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا يغني عنهم؟".

قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، قال: قلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال، قال: صدق أبو الدرداء إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا!" (1) ."

وانتفع أبو الدرداء رضي الله عنه بما سمع فجرت على لسانه الحكمة فقال:"إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه" (2) .

(1) أخرجه الدارمي (288) ، والترمذي (2653) ، والحاكم في المستدرك (338) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، وقال الترمذي: حديث حسن غريب اهـ وصححه الحاكم، وأخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (853) من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه.

(2) أخرجه الدارمي (262) عن أبي الدرداء رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت