فهرس الكتاب
فليس إقدام الناس على الحرام ناتجًا عن الجهل بحرمته فقط؛ بل أكثر الخلق يقدمون عليه وهم عارفون بتحريمه، لكن لغياب الوعي الأخروي، وتلاشي مراقبة الله في الضمير؛ هان عليهم مقارفة المنكر.
فالعلاج -إذًا- ينبغي أن ينطلق من تشخيص صحيح كامل للمرض.
ونحن لو تأملنا طريق القرآن الكريم في هذا؛ لوجدنا ربط الأحكام الشرعية بأصولها العقدية، وخاصة في المجتمع المدني الذي كثر فيه تشريع الأحكام الفرعية بحكم نشأة المجتمع المسلم، الذي يصوغ حياته وفق هدي الله وشرعه، فصارت الأحكام تنزل متلاحمة مع التأكيد على العقائد وتركيزها في النفوس، فكان تنفيذ الحكم التزامًا بمقتضى العقيدة، وكانت العقيدة حارسًا على تنفيذ الحكم.
وبحكم أننا نخاطب ناسًا مسلمين؛ فإننا ننطلق من أرضية معينة هي اقتناعهم بهذا الدين وإيمانهم بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا، وإيمانهم بالبعث والجنة والنار.. والغيب كله، وإيمانهم بالقضاء والقدر، فلابد من إحياء هذه المعاني المتوارية، وربط الأحكام بها؛ حتى يدرك المسلم أن الأخذ بهذه الأشياء هو مقتضى كونه مسلمًا، وحتى يدرك المأخوذ ببهرج الحضارة الغربية، المشرب حب الشهوات والشبهات _ حقيقة الحال التي يعيشها، فإما أن ينحاز للإسلام فيلتزم به، وإما أن ينحاز للمعسكر الآخر المحاد لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحسب على الإسلام وعلى المسلمين.
فلابد من التأكيد على الأصل الذي تنبثق عنه سائر الأوامر والنواهي، وهو أصل الاستسلام لله، والخضوع لأمره، وترسيخ هذا المعنى بكل وسيلة، وفي كل مناسبة.
ولا شك أن عزل الأحكام عن العقائد هو أمر فني محض، يتعلق بطريقة التأليف والدراسة؛ بل كان كثير من المتقدمين يجمعون في تأليفهم بين الأحكام والعقائد؛ لأنه لا غنى بأحدهما دون الآخر.