الصفحة 245 من 791

ويدرسه من كتابه، فإذا أتقنه محا الكتاب خوفًا من أن يتّكل القلب عليه، فيؤدي ذلك إلى نقصان الحفظ، وترك العناية بالمحفوظ».

معرفة ضبط الرواة:

قال ابن الصلاح: «يعرف كون الراوي ضابطا بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم، أوموافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطًا ثبتًا، وإن وجدناه كثيرالمخالفة لهم، عرفنا اختلال ضبطه، ولم نحتج بحديثه، والله أعلم» .

ويُعدُّ الإمام الشافعي من أوائل من نصّ على اعتبار معارضة مرويات الراوي بروايات الثقات طريقًا لمعرفة الضبط، يقول: «إذا شرِك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم» .

والموافقة المشترطة: هي الموافقة غالبًا ولو من حيث المعنى لروايات المتقنين الضابطين، ولا تضر المخالفة النادرة، فإن كثرت فهي دليل على اختلال الضبط.

والطريقة الاخرى امتحان الراوى واختبار حفظه لمروياته.

ومن ذلك قال أحمد بن منصور الرمادي: «خرجت مع أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق الصنعاني خادمًا لهما، فلما عدنا إلى الكوفة قال يحيى لأحمد بن حنبل: أريد أن أختبر أبا نعيم، فقال له أحمد بن حنبل: لا تزيد الرجل إلا ثقة. فقال يحيى: لا بُدّ لي. فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثًا من حديث أبي نعيم، وجعل على

رأس كل عشرة منها حديثًا ليس من حديثه، ثم جاءا إلى أبي نعيم فدقّا عليه الباب فخرج، فجلس على باب دكان، وأخذ أحمد بن حنبل فأجلسه عن يمينه، وأخذ يحيى بن معين فأجلسه عن يساره، ثم جلستُ أسفل الدكان، فأخرج يحيى الطبق فقرأ عليه عشرة أحاديث، وأبو نعيم ساكت، ثم قرأ الحادي عشر، فقال له أبو نعيم: هذا ليس من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثانية، وأبو نعيم ساكت، فقرأ الحديث الثاني، فقال أبو نعيم: ليس من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثالثة، وقرأ الحديث الثالث، فتغير أبو نعيم، وانقلبت عيناه، ثم أقبل على يحيى ـ وذراع أحمد في يده ـ فقال: أما هذا فأورع من أن يعمل مثل هذا، وأما هذا يريدني ـ الرمادي ـ فأقلّ من أن يفعل مثل هذا، ولكن هذا من فعلك يا فاعل، ثم أخرج رجله فرفس يحيى فرمى به من الدكان، وقام فدخل داره، فقال أحمد ليحيى: ألم أمنعك من الرجل وأقل لك: إنه ثبت، قال: والله لَرَفْسَتُهُ لي أحبّ إلي من سفري»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت