فهرس الكتاب
علم الجرح والتعديل
يقول رضا احمد صمدى «لقد كانت التحديات الكبيرة التي تواجه المحدثين إزاء هذا السيل الدافق من الأسانيد والمرويات تحتم عليهم وقفة أخرى - بعد تقعيد نظرية الإسناد - ليراجعوا البناء الذي قام على مبدأ الإسناد.
ولم تكن كثرة الأسانيد والمرويات لمجردها هي الدافع لتلك الوقفة والمراجعة، بل إن الفتن التي ظهرت في المجتمع المسلم والتقلبات المختلفة التي واجهها المسلمون لسبب الفتوحات الكبرى وما لحقها من تجاور للحضارات المغلوبة .. أو تمازج، وما أغرزه هذا التجاور أو التمازج من تأثيرات سلبية أو إيجابية .. كل ذلك أدى إلى تلك المراجعة.
لكن أعظم حدث استدعى حفيظة المحدثين ونقلة الشرع .. تلك الفتن السياسية التي تخفى في عجرها وبجرها فئات من أعداء الدين أو أصحاب الأهواء الذين ضعف إيمانهم أو انعدم واختل ولاؤهم للدين أو انصرم.
استحلت تلك الفئات لنفسها أن تتخذ من الإسناد تكأة لانتحال نصوص نبوية تؤيد مذهبهم واتجاههم.
فكان الواحد منهم يعمد إلى إسناد مشهور بنظافته مثل سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أو علقمة عن عبد الله بن مسعود وينسبون من خلالها الأحاديث، أو يخترعون أي إسناد (وإن جهل رجاله) ويذيعون بواسطته الآثار والأخبار، إذ كان الناس يومئذ على أصل الصدق، ولم يكونوا ليظنوا أن أحدا يجرأ على الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والإسلام بعد في ذروة انتصاراته وفتوحاته.
فلما أحس المحدثون برواج تلك الآثار وخاصة بين الطوائف السياسية المتنازعة ابتدءوا في أخذ الحيطة ورسم السبل لدرء هذه المحاولة الجديدة في تحريف مصادر التلقي عند المسلمين.
وقد سبق أن تعرضنا في"نظرية الإسناد"لأثر محمد بن سيرين الذي يقول فيه: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى حديث أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» .
وقلنا إن هذا الأثر حري أن يكون نصا في تأريخ نشأة علم الجرح والتعديل، لذلك كان من المناسب أن نوسع القول في حقيقة المراد بالفتنة التي وردت في عبارة ابن سيرين.