الصفحة 363 من 791

الله عنهما، فاستنتج من هذا كله أن المراد بالفتنة في كلام ابن سيرين هو فتنة تقاتل علي ومعاوية.

وهذه الطريقة على وجاهتها قد أخطأت النتيجة، لأن الأستاذ الأعظمي يفترض أن من الضروري أن تكون تلك الأحاديث وضعت في زمان الفتنة نفسها، وهذا ليس بلازم، بل مخالف للشواهد كما سنبين.

إن المنهج العلمي يدعونا إلى ربط الأسباب بمسبباتها، ودراسة الاحتمالات وسبرها ثم تعيين الاحتمال الذي يكون أكثر واقعية في ظل الظروف والحالة العامة المتصورة للقضية.

وفي عبارة ابن سيرين جملتان جديرتان بالتأمل، لأن فيهما إشارة إلى تعيين الفتنة التي نحن بصددها.

هاتان الجملتان هما قوله:"فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم"وقوله:"وينظر إلى أهل البدعة".

فالجملة الأولى مشعرة بوجود فريقين يتجادلان، وأن كل فريق كان يستدل بنصوص مسندة، والجملة الثانية مشعرة بأن معنى البدعة كان حاضرا في ذهن ابن سيرين وهو يتحدث عن الفتنة ويتحدث عن الفريق الآخر الذي استدل بتلك النصوص المسندة.

وكأن الفريق الآخر كان مبتدعا في نظر ابن سيرين أو على أقل تقدير يستدل بنصوص رواها من عرف أنه من أهل البدع، والبدعة بالمعنى الشرعي لم تعرف في ذلك العصر إلا في فريقين: الخوارج والشيعة، فهؤلاء هم الذين عرفوا بالابتداع من بين الفرق السياسية المتقاتلة، أما الفرق التي تقاتلت من غيرهما فلم يعرف عنها ابتداع مثل عبد الله بن الزبير ومن ناصره وعبد الملك بن مروان ونصراؤه ونحوهما، أما البدع الأخرى التي ظهرت في ذلك العصر مثل الإرجاء والقدر فلم تكن ذات صبغة سياسية، بل ولم يطلق عليها أنها فتنة.

ومن هذا التتبع ينحصر البحث في بدعتين هما اللتان يجدر أن تكونا سببا في حركة الوضع، لكن التاريخ يثبت أن الخوارج لم يعرف عنهم الوضع والكذب، يقول مالك عن عمران بن حطان:"لأن يخر عمران من السماء أحب إليه من أن يكذب"، وكان عمران بن حطان من دعاة الخوارج.

فلم يبق عندئذ إلا بدعة التشيع التي علم التصاق حركة الوضع بها، لكننا نجزم أن وضع الشيعة للأحاديث لم يكن في عصر علي رضي الله عنه لأمور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت