الصفحة 364 من 791

الأول: أن الوضع لو حدث في عصر علي لقاومه أشد مقاومة، كما فعل مع من زعم ألوهيته حيث لم يتهاون معهم، بل حرقهم تحريقا وأنشد:

لما رأيت الأمر أمرا منكرا أججت ناري ودعوت قَنْبُرَا

ولا يعقل أن يكون علي رضي الله عنه - وهو المشهور بتحوطه في رواية الأحاديث - يرى أحاديث توضع بحضرته أو بمسمع منه فيقرها ويسكت عنها أو يتهاون في محاربة واضعيها.

ولما أشيع في حياته بأن أهل البيت لهم علم خاص ورثوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر ذلك. ففي صحيح البخاري أن أبا جُحيفة قال لعلي بن أبي طالب: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ وفي رواية: ما ليس عند الناس؟ فقال علي بن أبي طالب:"والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهما يعطى رجل في كتابه وما في الصحيفة"قلت: وما في ا لصحيفة؟ قال:"العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر".

الثاني: أن حركة الوضع التي قام بها الشيعة لوكانت في حياة علي رضي الله عنه لكان خصومة أكثر الناس تشهيرا واستغلالا لذلك، لكنه لم ينقل في سجالات الفريقين (علي ومعاوية في حياتهما) أنه اتهم أحدهما الآخر بوضع الأحاديث والكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

الثالث: ما جاء في مقدمة في صحيح مسلم بسنده عن طاووس قال:"أُتى ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي رضي الله عنه، فمحاه إلا قدر ذراع - وكان الكتاب مستطيلا أي طويلا - ثم بسنده إلى الأعمش عن أبي إسحاق قال:"لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي رضي الله عنه قال رجل من أصحاب علي: قاتلهم الله! أي علم أفسدوا"."

قال النووي في شرح ذلك:"أشار بذلك إلى ما أدخلته الروافض والشيعة في علم علي رضي الله عنه وحديثه، وتقولوه عليه من الأباطيل، وأضافوه إليه من الروايات والأقاويل المفتعلة والمختلقة، وخلطوه بالحق فلم يتميز ماهو صحيح عنه بما اختلقوه".

وهذا كله يفيد أن الفئة التي وصفت بأنها من أهل البدع في كلام ابن سيرين تصدق أقرب ما تصدق على الشيعة لأنها هي البدعة الوحيدة التي شاركت في صنع الفتنة ووضع الحديث على ما هو مشهور في التاريخ، ويؤيد ذلك قول ابن عباس:"إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت