الصفحة 365 من 791

وفي رواية أخرى:"إنا كنا نحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ لم يكن يكذب عليه فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه".

والذي يترجح لي أن الفتنة التي عناها محمد بن سيرين هي فتنة المختار بن عبيد الثقفي والتي أدت إلى ظهور وانتشار طائفة الكيسانية التي اعتنق المختار مبادئها في نهاية الأمر، وهم من الشيعة الغلاة، بل لا يستراب في كفر أقوال صدرت منهم، وقد ظهر المختار هذا على العراق وانتشر صيته وذاع أمره.

وليس بمستبعد أن المختار عندما ظهر أمره كان له من أصحاب الجدل والمناظرة من يدعون إلى بدعته ويروجون لأفكاره، والاصطدام المباشر من الناحية الفكرية لا بد أن يكون مع أهل السنة وخاصة طائفة أهل الحديث ونقلته الذي كانوا بمعزل عن كل تلك الفتن، وهنا يمكن تصور الظرف الذي قال فيه محمد بن سيرين مقولته.

والذي يدعونا إلى تأخير تعيين وقت الفتنة - التي أرخ بها ابن سيرين بدأ الجرح والتعديل - هو استحالة ظهور الوضع وانتشاره في عهد الصحابة رضوان الله عنهم، إذ المتصور أنهم سيكونون أول المتصدين لأولئك الكذبة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما فعل عبد الله بن عباس فيما مر معنا.

لكن يظهر أن الوضع قد بدأ يتعاظم بعد أن قل عدد الصحابة رضوان الله عليهم وأمن الكذابون من تصدي الصحابة، فما اسهل أن يدعي كاذب أنه سمع من أبي سعيد الخدري وأبي هريرة بعد موتهما، فعندئذ لم يعودوا يقبلون أي سند إلا أن يعرف راويه أنه من أهل السنة لتزول الشبهة في انتحاله وكذبه.

والذي يرجح أن الكذب ابتدأ انتشاره على يد الكيسانية ما جاء عن حرملة بن نصر العبسي (من أصحاب علي بن أبي طالب) أنه لما رأى أصحاب المختار بن عبيد الثقفي يكذبون في الحديث قال:"مالهم قاتلهم الله، أي عصابة شانوا وأي حديث أفسدوا".

وعن إبراهيم النخعي قال:"إنما سئل عن الإسناد أيام المختار"قال ابن رجب:"وسبب هذا أنه كثر الكذب على علي في تلك الأيام."

وهذا مرجح قوي أن الفتنة المقصودة في كلام ابن سيرين هي فتنة المختار، وقد ذهب إلى تعيين زمان السؤال عن الإسناد فتنة المختار الأستاذ نور الدين عتر في كتابه: منهج النقد في علوم الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت