الصفحة 366 من 791

ومع أن عبارة ابن سيرين لا تنص على الأشخاص الذين ابتدءوا حركة السؤال عن الرجال والتفتيش في الأسانيد إلا أن النقاد تكاد تتفق كلمتهم على أن محمد بن سيرين نفسه أول من اشتهر عنه فعل ذلك.

ومن ذلك عبارته الشهيرة:"إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذوا دينكم".

وقد ذكر ابن رجب الحنبلي أن محمد بن سيرين هو أول من انتقد الرجال وميزن الثقات من غيرهم، ونقل عن يعقوب بن شيبة قال: قلت ليحيى بن معين: أتعرف أحدا من التابعين كان ينتقي الرجال كما كان ابن سيرين ينتقيهم؟ فقال برأسه: أي لا. قال يعقوب: وسمعت علي بن المديني يقول: كان ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد ولا نعلم أحدا أول منه (كذا) محمد بن سيرين ثم كان أيوب (يعني السختياني) وابن عَون (يعني جعفر بن عون المخزومي) ثم كان شعبة ثم كان يحيى بن سعيد وعبد الرحمن (يعني ابن مهدي) .

فهذا تنصيص عن اثنين من كبار نقاد الحديث (يحيى بن معين وعلي بن المديني) على أولية محمد بن سيرين في التفتيش عن الإسناد وأقرهما على ذلك عالم مطلع هو ابن رجب الحنبلي رحم الله الجميع.

ويشكل على هذا ماجاء عن صالح جَزَرَة (وهو من أئمة نقد الحديث أيضا) أنه قال:"أول من تكلم في الرجال شعبة ثم تبعه يحيى بن سعيد القطان ثم أحمد وابن معين"فحاول السيوطي أن يؤول ذلك، جمعا بين الآراء، فقال:"يعني أن أول من تصدى لذلك".

والأولى أن يقال إن شعبة هو أول من تصدى لتجريح الرجال وإشهار الكلام عن الضعفاء والتحذير من الرواية عنهم (كما روي عنه ذلك) وتعقب المرويات لمعرفة أصولها والخطأ فيها، أما ابن سيرين فكان أول من فتش عن أحوال الرجال على أساس معرفة من هم من أهل السنة أو من أهل البدعة كما يفهم ذلك من تفسيره كيفية السؤال عن الإسناد في عبارته المنقولة.

وشعبة تجاوز ذلك إلى مرحلة المعارضة بين الروايات والأخذ عن الثقات أي عمن عرف بالضبط والحفظ أيضا، وليس مجرد أن يكون من أهل السنة، هذا ما بدا لي من تأمل ما نقل عن ابن سيرين وشعبة رحم الله الجميع.

وبهذا يتبين لنا أن الجرح والتعديل ابتدأ كعلم في عصر أتباع التابعين وبالأخص على يد شعبة بن الحجاج أبو بِسطام البصري، ثم انتشر بعد ذلك في كل الأقطار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت