فهرس الكتاب
والحاجة إلى منهج المُحَدِّثِين في تلقي الروايات ونقدها حاجة لا يسدها شي آخر غير منهجهم!
وإن الحاجة قائمة إلى هذا المنهج ليست من أجل السنة فحسب، بل من أجل علم الرواية في شتى المجالات، فكل علمٍ قائم على الرواية، أو كل الروايات الواردة في أي علم من علوم الشريعة فإنه مفتقرٌ إلى قوانين الرواية عند المُحَدِّثِين لتمييز ما يصحّ روايةً وما لا يصح.
فمن مظاهر توثيق السنة وأدلته كذلك، الجرح والتعديل عندهم، ودقته، وسجلاتهم فيه، وعدم مجاملتهم فيه للآباء والأبناء والإخوة، للحفاظ على حديث رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -!. ولعلّ الأمثلة على هذا معروفة مشهورة.
ووثائق المُحَدِّثِين في جرح الرواة وتعديلهم، من أَجْل التوثق في الرواية عن نبيهم، باقية معروضة على الناس في سجلاتهم وكُتُبهم في الجرح والتعديل وتراجم الرجال.
حقًّا إن تلك الكتب في الجرح والتعديل سجلات موثَّقة لأئمة الحديث تشهد بحسن صنيعهم ودقّة منهجهم.
لقد كانوا يعنون بتدوين تلك المعلومات عند أسماء الرواة وأنساهم وتاريخ حياتهم بما لا مثيل له في الدنيا.
لقد انشغلوا بهذا الجانب الذي يبدو لبعض الناس بعيدًا عن رواية الحديث!
وحقيقةُ الأمر أنه في الصميم، وأنه كان عملا ضروريًّا دقيقًا، وإن التنبه له والعناية به أشبه ما يكون بالمعجزة، بل هو إعجاز إلهيّ أيضًا يظهر في عمل البشر!
إن للتجار وأهل الدنيا سجلاتهم ودفاترهم التي يَحْملونها ويحافظون عليها ويدوّنون فيها دنياهم وأموالهم والحقوق التي لهم عند الناس، ويُثْبِتون فيها أسماء زبائنهم وغرمائهم، وما بينهم من معاملات وشروط.
أما المُحَدِّثُون - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تعالى - فسجلاتهم ودفاترهم لا تحمل شيئًا من هذا كله! وكيف يكون فيها شيء من ذلك وهم في غالب أحوالهم لم يشتغلوا بشيء من الدنيا وأعمالها، بل منهم من انقطع عن كل شيء إلا عن حديث رسول اللَّه؟!
إِذَنْ، ماذا في دفاتر المُحَدِّثِين وسجلاتهم؟!
فقد انعم الله على هذه الامة بتسخير المُحَدِّثِين لهذا التخصص، ولابتكار هذا المنهج، وتطبيقهم له، وانقطاعهم لهذا الشأن!!