الصفحة 371 من 791

ويُدْرك هذا التسخير الإلهيّ من يطّلع على الآتي:

-حياة المُحَدِّثِين وأوصافهم.

-أخبارٌ عن جوانبَ مِن تسخير اللَّه لهم؛ لينخرطوا في هذا المجال، ومِن ذلك ما جاء عن بعضهم أنه لا يستطيع أن يشتغل بغير الحديث مِن العلم بسبب ما يجدُهُ مِنْ صَرْفِه إليه صرفًا لا يدري ما سببه، ومن هذا ما ذكره الخطيب البغدادي عن الحافظ أبي بكر أحمد بن محمد البَرْقاني بقوله:"ولم يقطع التصنيف إلى حين وفاته، ومات وهو يجمع حديث مِسْعَر".

وكان حريصًا على العلم، منصرف الهِمَّة إليه، وسمعته يومًا يقول لرجل من الفقهاء معروف بالصلاح - وقد حضر عنده: ادع اللَّه أن ينزع شهوة الحديث من قلبي، فإن حُبَّه قد غلب عليَّ فليس لِيَ اهتمام بالليل والنهار إلا به، أو نحو هذا من القول، وكنت كثيرًا أذاكره بالأحاديث فيكتبها عليَّ ويضمّنها جُمُوعَه""

(تاريخ بغداد 4/ 374.)

-دقة منهجهم التي وصلت إلى حدّ الإعجاز الذي ليس بمقدور البشر أن يصلوا إليه لو لم يوصلهم إليه اللَّه - تبارك وتعالى -.

أما دقة منهجهم فقد عرفت جوانب منها مما سبق.

وأما أوصاف المُحَدِّثِين وتاريخ حياتهم فتشهد بأنهم ما كان يمكن أن يكونوا كذلك لولا أن ربهم وخالقهم - عز وجل - هو الذي سخّرهم ودفعهم إليه تسخيرًا يتجلى في استجابتهم لمقتضيات الإيمان، واستجابتهم لقَدَر الرحمن!

قال الإِمام الشوكاني عن حفظ اللَّه للسنة بالمُحَدِّثِين:

"وحماها بحماة صفدوا - بسلاسل أسانيدهم الصادقة - أعناق الكاذبين، وكفاها بكفاة كفوا عنها أَكُفَّ غير المتأهلين من المنتابين المرتابين؟ فغدا معينها الصافي غير مُقَذَّر بالأكدار، وزلالُ عذبها الشافي غيرَ مُكدَّر بالأقذار"

(نيل الأوطار، للشوكاني، 1/ 2)

لم يكن منهج المُحَدِّثِين مقتصرًا على نقل الرواية كيفما كانت، بل هو منهج توجَّهَ إلى نقْل الروايات على وجه الدقة والضبط والإتقان، كما توجَّه إلى نقْد الروايات نقدًا علميًّا منضبطًا دقيقًا، ميّز بين الثابت وغير الثابت منها، وشمل نقد السند ونقد المتن معًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت