فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 38

وصلنا العاصمة ومكثنا هناك ثلاثة أيام ننتظر حضرة الوزير كي يعود من إحدى سفراته إلى الخارج. في اليوم الثالث وفي نهاية الدوام تكرّم حضرته بالتوقيع على العقد فركضت به كالمجنونة إلى الديوان كي أسجله قبل أن ينتهي الدوام، لأفاجئ برئيسه يقول: تحتاجين إلى طوابع بقيمة ثلاثمائة ليرة سورية!ـ ومن أين باستطاعتي شراء تلك الطوابع؟

ـ من كشك الطوابع في مبني الوزارة ولكنّه مغلق الآن وعليك أن تعودي غدا!

ـ دخيلك طفلتي لم تبلغ بعد شهرها الثالث ومضى على غيابي عنها ثلاثة أيام. أنا في أشدّ القلق!

رقّ قلب الضبعة على هذه الأمّ المضّطربة فردّ: اسمعي! شفقة عليك، ليس إلاّ، سأسمح لك أن توقعي العقد بعد أن تدفعي قيمة الطوابع وسأشتريهم لك غدا وألصقهم بنفسي!

كدّت من شدة فرحتي وامتناني أن أقبّل يده.

عدت أدراجي إلى أولادي وأنا أدعو إلى الله بأن يوفق كلّ الوحوش إكراما لتلك الضبعة التي أكرمتني .

لم تنته المأساة بعد عودتي بل ، على العكس، كانت في بدايتها!

انتهى الشهر الأول من العام ولم يصل راتبي الهزيل من العاصمة!

لا أحد في مديريّة صحّة اللاذقيّة يعرف السبب، لكنّ المحاسب واساني ناصحا بضرورة الانتظار شهرا آخر فرواتب الأطباء المتعاقدين تتأخر أحيانا.

مضى الشهر الثاني ثم الثالث ثم الرابع وأنا على أحرّ من الجمر!

شحّت ثلاجتنا واهترأ حذاء مازن ، ولم نعد قادرين أن ندفع تكاليف السفر مرّة أخرى إلى العاصمة كي نعرف السبب!

بعت خاتما ذهبيا كانت أمي قد قدمته لي كهديّة في عرسي، وتوجهّت على الفور إلى محطة باصات دمشق لأتعلق بإحداها.

ـ أستاذ عيد! رواتبي لمدة أربعة أشهر لم تصل!

رمقني بنظرة ازدراء من تحت نظارتيه الغليظتين ثم راح يبحبش في أرشفه متظاهرا بالجديّة.

سحب أوراق عقدي متسائلا: لم تلصقي عليه الطوابع المطلوبة ولذلك لم نتمكّن من تصديقه!

ـ أستاذي الكريم! ألا تذكرني؟ لقد وقعت العقد منذ أربعة أشهر ودفعت لك ثمن الطوابع!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت