فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 136

فقلت: إنها مناسبة طيبة لأمدحه أنا أيضا وأثني عليه، ونسيت أني حاسر الرأس، وأني من الحر أحمل معطفي على ساعدي، وأمشي بالقميص وبالأكمام القصار، فقرعت الباب قرعا خفيفا، وجئت ادخل؛ فالتفت إلي وصاح: إيه زمال وين فايت؟ (والزمال الحمار في لغة البغداديين) فنظرت لنفسي هل أذني طويلتان؟ هل لي ذيل؟ ... فقال: شنو ما تفتهم (تفهم) أما زمال صحيح.

وانطلق بـ (منولوج) طويل فيه من ألوان الشتائم ما لا أعرفه، وأنا أسمع مبتسما.

ثم قال: تعال نشوف تلاميذ آخر زمان، وقف احك شو تعرف عن البحتري، حتى تعرف أنك زمال ولاّ لأ؟

فوقفت وتكلمت كلاما هادئا متسلسلا، بلهجة حلوة، ولغة فصيحة. وبحثت وحللت وسردت الشواهد وشرحتها، وقابلت بينه وبين أبي تمام، وبالاختصار ألقيت درسا يلقيه مثلي ...

والطلاب ينظرون مشدودين، ممتدة أعناقهم، محبوسة أنفاسهم، والمدرس المسكين قد نزل عن كرسيه، وانتصب أمامي، وعيناه تكادان تخرجان من محجريهما من الدهشة، ولا يملك أن ينطق، ولا أنظر إليه كأني لا أراه حتى قرع الجرس ... قال: من أنت؟ ما اسمك؟ قلت: علي الطنطاوي!

وأدع للسامعين الكرام أن يتصوروا موقفه!

روائع الطنطاوي ص167 نقله من كتابه «من حديث النفس» ص118.

235 -في سير أعلام النبلاء 2/ 619:

قال الحافظ أبو سعد السمعاني: سمعت أبا المعمر المبارك بن أحمد: سمعت أبا القاسم يوسف بن علي الزنجاني الفقيه: سمعت الفقيه أبا إسحاق الفيروزآبادي: سمعت القاضي أبا الطيب يقول: كنا في مجلس النظر بجامع المنصور، فجاء شاب خراساني، فسأل عن مسألة المُصَّراة (1) ; فطالب بالدليل، حتى استدل بحديث أبي هريرة الوارد فيها.

فقال ـ وكان حنفيا ـ: أبو هريرة غير مقبول الحديث.

فما استتم كلامه، حتى سقط عليه حية عظيمة من سقف الجامع، فوثب الناس من أجلها، وهرب الشاب منها، وهي تتبعه.

فقيل له: تب، تب.

فقال: تبت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت