فهرس الكتاب
122 -قال الإمام الموفق ابن قدامة المقدسي: .. كنت أتخيل في الناصح [ابن الحنبلي] : أن يكون إمامًا بارعًا، وأفرح به للمذهب؛ لما فضّله اللّه به من شرف بيته، وإعراق نسبه في الإِمامة، وما آتاه الله تعالى من بسط اللسان، وجراءة الجنان، وحدة الخاطر، وسرعة الجواب، وكثر الصواب، وظننت أنه يكون في الفتوى مبرزًا على أبيه وغيره، إلى أن رأيت له فتاوى غيرُه فيها أَسَّدُ جوابًا، وأكثر صوابًا، وظننت أنه ابتلي بذلك لمحبته تخطئة الناس، واتباعه عيوبهم، ولا يبعد أن يعاقِبَ الله العبد بجنس ذنبه ـ إلى أن قال: ـ والناصح قد شغل كثيرًا من زمانه بالرد على الناس في تصانيفهم، وكشف ما استتر من خطاياهم، ومحبة بيان سقطاتهم، ولا يبلغ العبد حقيقة الإِيمان حتى يحبَ للناس ما يحبُ لنفسه، أفتراه يحب لنفسه بعد موته من ينتصب لكشف سقطاته، وعَيبِ تصانيفه، وإظهار أخطائه، وكما لا يحب ذلك لنفسه ينبغي أن لا يحبه لغيره، سيما للأئمة المتقدمين، والعلماء المبرزين، وقد أرانا الله تعالى آية في ذهابه عن الصواب في أشياء تظهر لمن هو دونه .. ذيل طبقات الحنابلة 3/ 430.
123 -قال العلامة عبد الرحمن السعدي في كتاب مجموع الفوائد واقتناص الأوابد ص37:
يعجبني ما وقع لبعض أهل العلم وهو: أنه كتب له آخر من أهل العلم والدين ينتقده انتقادا شديدا في بعض المسائل، ويزعم أنه مخطئ فيها، حتى إنه قدح في قصده ونيته، وقال مع ذلك: إنه يدين الله ببغضه بناء على ما توهم من خطئه .. ، فأجاب المكتوب له:
اعلم يا أخي أنك إذا تركت ما يجب عليك من المودة الدينية والأخوة الإسلامية، وسلكت ما يحرم عليك من اتهام أخيك بالقصد السيئ على فرض أنه أخطأ، وتجنبت الدعوة بالحكمة في مثل هذه الأمور؛ فإني أخبرك قبل الشروع في جوابي لك عمّا انتقدته علي:
أني لا أترك ما يجب عليّ من الإقامة على مودتك والاستمرار على محبتك المبنية على ما أعرفه من دينك انتصارا لنفسي؛ بل أزيد على ذلك بإقامة العذر لك بقدحك في أخيك أني أعرف أن الدافع لك على ذلك حسن قصد، لكن لم يصحبه علم يصححه، ولا معرفة تبين مرتبته، ولا ورع، ورأي صحيح يوقف العبد عند حده الذي أوجبه الشرع عليه؛ فلحسن قصدك المتمحض أو الممتزج بشيء آخر؛ قد عفوت لك عمّا كان منك إلي من الاتهام بالقصد السيئ؛ فهب أن الصواب معك يقينا، فهل خطا الإنسان دليل على سوء قصده؟!
فلو كان الأمر كذلك لتوجه رمي جميع علماء الأمة بالقصود السيئة، فهل سلم أحد من الخطأ، وهل هذا القول الذي تجرأت عليه إلا مخالف لما أجمع عليه المسلمون من أنه لا يحل رمي المسلم بالقصد السيئ إذا