فهرس الكتاب
نقل ابن القيم ـ رحمه الله ـ عن ابن جني في مواضع عديدة من كتبه كالبدائع وغيره، وأفاد منه .. ورد عليه في الصواعق وبيّن زيغه وشيخه الفارسي، فقال رحمه الله:
أحدها: أن تعلم أن هذا الرجل ـ ابن جني ـ وشيخه أبا علي من كبار أهل البدع والاعتزال المنكرين لكلام الله تعالى وتكليمه [ .. وذكر بعض طوامه .. إلى أن قال] : فمن كان هذا خطؤه وضلاله في أصل دينه ومعتقده في ربه وإلهه فما الظن بخطئه وضلاله في ألفاظ القرآن، ولغة العرب؛ فحقيق بمن هذا مبلغ علمه، ونهاية فهمه =أن يدعي أن أكثر اللغة مجاز، ويأتي بهذا الهذيان، ولكن سنة الله جارية أن يفضح من استهزاء بحزبه وجنده، وكان الرجل وشيخه في زمن قوة شوكة المعتزلة، وكان الدولة دولة رفض، واعتزال وكان السلطان عضد الدولة ابن بويه، وله صنف أبو علي"الإيضاح"، وكان الوزير إسماعيل بن عباد معتزليا، وقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد معتزليا، وأول من عرف منه تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز هم المعتزلة والجهمية ..
مختصر الصواعق المرسلة 2/ 821، ط: أضواء السلف.
قلت: ولم يكن هذا مانعا من الاستفادة مما أحسن فيه، ومما استجاده منه ابن القيم، وعرضه على شيخ الإسلام ما جاء في بدائع الفوائد 1/ 166:
وقد قدمنا أن الألفاظ مشاكلة للمعاني التي أرواحها يتفرس الفطن فيها حقيقة المعنى بطبعه وحسه كما يتعرف الصادق الفراسة صفات الأرواح في الأجساد من قوالبها بفطنته.
وقلت يوما لشيخنا أبي العباس بن تيمية ـ قدس الله روحه ـ: قال ابن جني:
مكثت برهة إذا ورد علي لفظ آخذ معناه من نفس حروفه وصفاتها وجرسه، وكيفية تركيبه، ثم أكشفه فإذا هو كما ظننته أو قريبا منه؟
فقال لي ـ رحمه الله ـ: وهذا كثيرا ما يقع لي، وتأمل حرف (لا) كيف تجدها لاما بعدها ألف يمتد بها الصوت ما لم يقطعه ضيق النفس، فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها.
ولن بعكس ذلك فتأمله فإنه معنى بديع.
وانظر كيف جاء في أفصح الكلام كلام الله، (ولا يتمنونه أبدا) بحرف لا في الموضع الذي اقترن به حرف الشرط بالفعل= فصار من صيغ العموم؛ فانسحب على جميع الأزمنة، وهو قوله عز وجل (إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت) كأنه يقول: متى زعموا ذلك لوقت من الأوقات، أو زمن