فهرس الكتاب
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض الجواب عن سؤال وُجّه إليه:"الحمد لله .. لا ريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، فالأدعية والأذكار النبوية هي أفض ما يتحرّاه المتحرّى من الذكر والدعاء، وسالكها على أمانٍ وسلامة، والفوائد والنتائج التي تحصل لا يعبِّر عنه لسان ولا يحيط به إنسان، وما سواها من الأذكار قد يكون محرّمًا وقد يكون مكروهًا، وقد يكون فيه شرك مما لا يهتدي إليه أكثر الناس، وهي جملة يطول تفصيلها."
وليس لأحدٍ أن يسنّ للناس نوعًا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادة راتبة يواظب عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به، بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله للناس سنّة، فهذا إذا لم يُعلم أنه يتضمن معنى محرّم لم يجُز الجزم بتحريمه لكن قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به، وهذا كما أن الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت فهذا وأمثاله قريب.
وأما اتخاذ ورد غير شرعي واستنان ذكر غير شرعي فهذا مما يُنهى عنه، ومع هذا فالأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غية المطالب الصحيحة ونهاية المقاصد العليّة، ولا يَعدِل عنها إلى غيرها من الأذكار المُحدثَة المبتدعَة إلا جاهل أو مفرّط أو متعدٍّ [1] انتهى.
وهذه الفائدة في غاية الحُسن أتَت موافقة ومماثلة لما قررنا آنفًا، والله أعلم.
{5} رَوضَة الصّائمِين
الله تعالى: {إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9] .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراًّ وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29 - 30] .
أيها الإخوة الكرام:
إن القرآن منبع النور والهدى والإيمان، ومصدر العزة والشرف والرفعة للإنسان، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرفع بهذا القرآن أقوامًا ويضعُ به آخرين) [2] ، إنه نورٌ، وأيّ نور!! أطفأ الظلمة وأنار الوجود، وسحق الضلالة وأقام الهداية.
إن من حقوق هذا القرآن العظيم علينا تلاوته وتدبّره والعمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه، وما تقرّب عبد إلى الله بأعظم من تلاوة القرآن فإنها أعظم الذكر وأفضله وأحسنه، ولن يُذكرَ باللهُُ بأفضل من كلامه وخطابه.
وقراءة القرآن مطلوبة ومرغوبة في كل وقت وحين، ففيها عظيم الأجر وكبير الفضل وجزيل النوال، وفي رمضان يعظم تأكدها ويزداد نفعها وخيرها وبركتها، فخليقٌ بالصائمين أن يجعلوا جلّ وقتهم مع كتاب ربهم فإنه روضتهم وبستانهم وأُنسهم وسعادتهم.
القرآن في رمضان روضة الصائمين وحداء القائمين ولهج القانتين العابدين، القرآن أعظم أنيس ونديم، وخير جليس وسمير، هو حلاوة وجمال، وعزُّ وكمال. القرآن محض سعادة الإنسان، ومُديم الخير والبركة والإحسان.
{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [ص: 29] .
يا صائمون:
هل ترومون روضة فيها أطايب النعم ونفائس المِنن، وفيها ما لذّ وطاب وأغنى عن الأخلّة والأحباب، إنها روضة القرآن غاية السعادة ومنتهى اللذة والسرور.
كلامٌ عظيمٌ تذرفُ منه العيون، وتصدع القلوب وتقشعرُّ الجلود {ق وَالْقُرْآنِ المَجِيدِ} [ق: 1] ، إن من عظمته خشوع وتصدّع الجبال الصمّ لسماعه {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21] .
يا صائمون:
القرآن عزُّكم وشرفُكم، فاقرأوه حقَّ قراءته، تغنموا وتسعدوا وتفوزوا بالثواب الكبير والنعيم المقيم {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 10] .
"القرآن الضياء والنور، وبه النجاة من الغرور، وفيه شفاء لما في الصدور، ومَنْ خالفَه من الجبابرة قصمَهُ الله، ومَنْ ابتغى الهُدى في غيره أضّلُه الله، هو حبلُ اللهِ المتين ونوره المبين والعروة الوثُقَى والمعتصَم الأوفىَ، وهو المحيط بالقليل والكثير والصغير والكبير لا تنقضي عجائبه ولا تتناهى غرائبه، لا يحيط بفوائده عند أهل العلم تحديد، ولا يخلُقُه عند أهل التلاوة كثرة الترديد، هو الذي أرشدَ الأولين والآخرين، ولما سمعه الجنّ لم يلبثوا أن ولّوا إلى قومهم مُنذرين {فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن: 1 - 2] ."
(1) مجموع الفتاوى (22/ 511) .
(2) رواه مسلم (817) .