فهرس الكتاب
فكل مَنْ آمنَ به فقد وُفِّق، ومَنْ قال به فقد صدق، ومَنْ تمسّك به فقد هُديَ، ومَنْ عمل به فقد فاز، وقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
ومن أسباب حفظه في القلوب والمصاحف استدامة تلاوته والمواظبة على دراسته مع القيام بآدابه وشروطه والمحافظة على ما فيه من الأعمال العاجلة والآداب الطاهرة [1] .
يا صائمون:
إن هذا القرآن بلغ الغاية في الإعجاز والإتقان {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1] ، لا يُدرَك وصفهُ وجماله ولا يُحاط بحُسنِه وكمالِه، أذهلَ أهل البلاغة والبيان، وبزَّ أهل الفصاحة والتبيان.
أيها الإخوة:
ألا تريدون أن تكونوا من أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصّته يحبّهم ويُدنيهم ويكلؤهم ويرعاهم ويصونهم ويحفظهم ويمنحهم فضله ويسبغ عليهم نِعَمَه، أخرج النسائي في الكبرى وابن ماجة والحاكم من حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ بإسناد حسن كما قال الحافظ العراقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أهل القرآن أهلُ الله خاصّتُه" [2] ."
القرآن جالب اللذة والسرور، وقاشع الوحشة والغموم، له حلاوة لا تنتهي، ولذاذة لا تنقضي، مَنْ استرشدَ به رَشَد، ومن استهدى به هُدي، ومن استغنى به فهو الغنيّ الزكيّ الرّضيّ، ملَك أجلّ نعمة وأعظم منحة وأنفَس ميراث.
به صلاح القلب وهداية النفس وزكاة العقل وسعادة الإنسان، وفلاحه في الدنيا والآخرة، إن هذا الكتاب به حياة كل شيء، فلا حياة للإنسان بغير ذكر الله، وأحب الذكر إلى الله تعالى كلامه وما نطَق به وخرج منه، فلا تعجبوا إذ سمَاه تباركَ وتعالى"روحًا"يحيي به الموتى، ويهدي به الحيارى، ويبصِّر به أهل العَمى.
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] .
يا مسلمون:
هذا كتاب عظيم جدّ عظيم، ما أعظمه وأجلّه وأحسنه وأبهاهّ!! قد رفع الله تعالى قدره ومكانته بالثناء عليه والتنويه بشأنه وعلوّ قدره، قال تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: 1] ، أي ذي الشرف، أي ذي الشأن والمكانة كما هو أحد أوجه تفسير الآية [3] .
وقال سبحانه وتعالى: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف: 4] ، قال قتادة ـ رحمه الله ـ أي ذو مكانة عظيمة وشرف وفضل [4] .
{6} حَديثٌ في التّرَاويح
أيها الإخوة الكرام:
إنّ صلاة التراويح صلاة عظيم مباركة، سنّها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحيتها الأمة من بعده، وهي من قيام الليل، وقيام الليل أفضل صلاة بعد الفريضة كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة [5] رضي الله عنه وهو دأب الصالحين وسرّ المتقين، الذين تجافَت جُنوبُهم عن المضاجع يدعون الله تعالى خوفًا وطمعًا، يرجون رحمته ويخافون عذابه.
هل سمعتم بفضل قيام الليل وعِظَم أهله وما ورد لهم من أجور عظيمة وهبات جسيمة، استمعوا إلى ما يقول الله تعالى في أهله تعظيمًا لهم وتنويهًا بشأنهم: {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 17 - 18] .
بقيام الليل تطهر قلوبنا وتغمرنا السعادة وتكسونا البهجة.
عن أبي أُمامةَ الباهلي ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقُربة إلى ربِّكم ومكفرةٌ للسيئات ومَنهاةٌ عن الإثم) رواه الترمذي وابن خزيمة [6] .
لعلّك يا قائم الليل تحظَى بحلاوة لا يجدها غيرك فتقوم ليلة فتصيب رحمةً أو تنال بركةً، أو توافق ساعة مباركة، فيُجيب اللهُ دعاءك.
عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنّ في الليلِ لَساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إيّاه وذلك كلّ ليلة) [7] رواه مسلم.
قال النووي رحمه الله:"فيه إثبات ساعة الإجابة في كل ليلة ويتضمن الحثّ على الدعاء في جميع ساعات الليل رجاء مصادفتها" [8] .
أيها الصائمون:
إنكم في موسم عظيم مبارك، يتأكد فيه الإيثار من الطاعات والتزوّد من القرُبات لا سيما قيام الليل، وهو يصدق بصلاة التراويح مع المسلمين، وقد وردّت بخصوصه أحاديث شريفة منها:
(1) إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (1/ 321) .
(2) النسائي (8031) وابن ماجة المقدمة (215) .
(3) تفسير ابن كثير (4/ 29) .
(4) تفسير ابن كثير (4/ 132) .
(5) مسلم (1163) .
(6) الترمذي (3549) ، وابن خزيمة (1135) .
(7) مسلم (757) .
(8) شرح النووي على صحيح مسلم (6/ 375) .