الصفحة 17 من 75

الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّمَ مِنْ ذنبه) [1] .

وعند أصحاب السنن:"مَن قام ليلة مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة" [2] .

أيها الأخيار:

إن سروركم وبهاءكم في قيام الليل في صلاة التراويح، فحافظوا عليها ولا تضيعوها، وقوموا بواجباتها ولا تهملوها، واطمئنّوا فيها ولا تنقروها.

كم هو جميلٌ أن نُؤدّي التراويح جماعة خاشعين في أدائها ونتدبّر كتاب ربنا ونبكي عند سماعه {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] .

أيها الأخيار:

ما أعظم مواظبتكم على التراويح وخشوعكم فيها وتسابقكم إليها، إن لكم بها مغفرة ورحمة وحمدًا وذكرًا وشرفًا وأجرًا.

إن صلاة التراويح مِن خير ما يعتني به المصلّون في هذا الشهر الكريم، وإننا إذ نؤكد العناية بها ننبّه على أمور تتعلّق بها:

أولًا: عددها: والناس في عددها مختلفون اختلافًا كثيرًا، ما بين متشدد ومتساهل، والواجب عند الاختلاف والتنازع الرجوع إلى الكتاب والسنة، فهما الحكم على كل الآراء والاجتهادات قال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] ، وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10] .

فهل ورد في الكتاب أو السنة ما فيه صراحة تحديد التراويح أو على سبيل الإشارة؟

نقول: ثبت في المتفق عليه من حديث عائشة وأخرجه البخاري في كتاب"التهجّد"باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل في رمضان وغيره من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة رضي الله عنها: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقال: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) [3] ، لكنها كما وصفتها عائشة: (يصلي أربعًا فلا تسأل عن حُسنهنّ وطولهنّ، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حُسنهنّ وطولهنّ، ثم يصلي ثلاثًا) .

فمن تيسرّ له القيام بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذه الصفة فلا ريب أنه خير هديٍ وأحسنه وأكمله، ولا ينبغي له العدول عن ذلك، وهذا مسلك بعض الأئمة كمالك بن أنس ـ رحمه الله ـ كما في إحدى الروايات عنه، فقد قال:"الذي جمعَ عليه الناسَ عمرُ بن الخطاب أحبّ إليَّ، وهو إحدى عشرة ركعة، وهي صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم، قيل له: إحدى عشرة ركعة بالوتر؟ قال: نعم، وثلاث عشرةَ قريب"قال:"ولا أدري من أين أُحدث هذا الركوع الكثير"، وهذا ذكره السيوطي في رسالته في التراويح، وقد وافق مالكًا على هذا الرأي أبو بكر بن العربي ـ رحمه الله ـ كما في شرحه لسنن الترمذي حيث قال:"والصحيح أن يصلي إحدى عشرة ركعة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وقيامه، فأما غير ذلك من الأعداد فلا أصل له و لا حدّ فيه"، وعلى هذا جرى عمل الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال فقد روى مالك والبيهقيّ بسند صحيح عن السائب بن يزيد أنه قال:"أمرّ عمرُ بن الخطاب أبيّ بن كعب وتميمًا الدّاري أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصى عن طول القيام، وما كنا ننصر إلا في فروع الفجر" [4] ، وفروع الفجر المراد به أوائله.

(1) البخاري (2009) ، ومسلم (759) .

(2) أبو داود (1375) والترمذي (806) والنسائي (1364) وابن ماجة (1327) .

(3) البخاري (1147) ، ومسلم (738) .

(4) الموطأ (1/ 114) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت