فهرس الكتاب
ورأى أكثر العلماء أن التراويح تطوّع مطلق، وليس لها عدد محدود، وأجازوا الزيادة على حديث عائشة ومآخذهم في ذلك مختلفة، وعمل الصحابة ـ رضى الله عنهم ـ ليس فيه التزام عدد معيّن، فقد صح عنهم أنهم صلّوا إحدى عشرة ركعة، وإحدى وعشرين، وثلاثًا وعشرين، فقد يعمد بعضهم إلى تطويل الصلاة وتحسينها ويقلل الركعات فيجعلها إحدى عشرة كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وتارةً يزيدون في الركعات فيصلون إحدى وعشرين أو ثلاثًا وعشرين ويخفّفون القيام، وزيادتهم تكون إدراكًا لبعض الفضيلة بسبب ما جرى من تخفيف القيام، وصنيعهم هذا راجع إلى مراعاة أحوال الناس من ضعف وقوة ونشاط، وهذا نهجٌ حسن، يُفعل عند المصلحة والحاجة، وأما التزام عدد معين وتقييد الناس به وادّعاء فضله والإجماع عليه فذلك إهمال لبعض النصوص ومجانبة لهدى السلّف، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يطيل القراءة تقل الركعات وبالعكس، وبذلك جزم الداوُديّ وغيره، والاختلاف فيما زاد عن العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر، وكأنه كان تارةً يوتر بواحدة، وتارةً بثلاث" [1] ، وإلى نحو هذا أشار ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى [2] ، وهذا هو التحقيق والفقه في المسألة وبه تأتلِف النصوص، والله تعالى أعلم.
ثانيًا: صفة صلاة التراويح: وصفتها كسائر الصلوات على المصلّين أن يأتوا بأركانها وواجباتها وسننها من أدعية وأذكار مع الطمأنينة والخشوع والتّؤُدّة وعدم العجَلة في ذلك كله، وأما ما وقع في هذه الأعصار من تخفيف كثيرٍ من الأئمّة لصلاة التراويح بحجة ضعف الناس وأنها سنّة، حتى إن صلاتهم لّتبدو هالكة بعيدة عن الهدي النبوي وطريقة السلف الصالح رضي الله عنهم، فذاك كله خلاف الصواب والسنّة، وفيه محاذير عديدة منها:
1 -أنها مجانبة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسمت السلف الصالح وحرصهم الشديد على حصول الخشوع والخضوع والتدبّر في هذه الصلاة.
2 -إن الصلاة إذا خُفّفَت إلى قدر تفقد معه أركانها وواجباتها فإنها باطلة حينئذٍ لا تنفع صاحبها ولو صّلى ما صلى، فإن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة لا يجوز تخلّفه عنها كما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا في تعليم المسئ صلاته في الحديث المتفق عليه [3] .
3 -غياب مقصود الصلاة وهو طولها وحُسنها وسماع القرآن وتدبّره وحصول الخشية عند تلاوته، فكل ذلك نراه خافيًا في صلاة الناس هذه الأيام.
4 -إماتة للسنة وذريعة لا ندارسها، ومسلك خاطئ في تربية الناس على مثل هذه الصلاة الهزيلة وتنشئتهم عليها، حتى ليظنّوا ثبوتها وصحتها وحُسنها وكمالها وكل خير فيها، عندما يتوارثونها ويشاهدونها في شتّى مساجد المسلمين.
فهل هذه الصلاة وهذا القيام هدي رشيد في نيل أجر قيام رمضان والفوز به؟!.
5 -إيهام الناس أن المقصود في التراويح حصول العدد المطلوب وإصابته كل ليلة، بحيث أن العبرة أن يوفَّق المسلم لصلاة هذا العدد المعيّن للصلاة، وهذا ـ بلا ريب ـ أنه خطأ وسوء فهم للسنّة، ويزيد من سوئه إذا كان الإمام يخفّف الصلاة تخفيفًا شديدًا، ويطيل القنوت في الوتر حتى اعتقد كثير من المصلين أنه مقصود التراويح ولبّها وروحها، فيحصل فيها من التطويل والتمطيط والتمديد والتنميق والترنيم والتكلّف والتشاكي والتباكي ورفع الصوت والعويل والتجافي عن السنّة ما لا يحصل في غيره، فليت شعري كيف تستقيم صلاة تضيع أركانها ومقصودها، وتُقام سننُها ومستحبَّاتها؟!، حبّذا لو أن هؤلاء الأئمة الفضلاء جعلوا شيئًا من تطويلهم وبكائهم لقراءة القرآن، فقرأوه حق قراءته ورتّلوه تمام ترتيله، وأحسنوا وأجملوا، فكانوا خير معوان للناس على تعظيم كتاب ربهم وترتيله وتدبّره والخشوع له، والوقوف عند حدوده وأحكامه، وقد تقدم الكلام على القنوت وما يحصل فيه من أخطاء ومخالفات في موضعه.
ونحن إذ نؤكِّد وندعو إلى العناية بصلاة التراويح وعدم التلاعب بها، لا نفرض على الناس أن يصلوا بالمئين ويحققوا كمال الصلاة الشرعية المحبوبة، بل نقول: يُعتّدل في ذلك ويُحاول طلب الفضيلة والإحسان فيها، فإن رمضان موسم عظيم وهو أيام معدودات وتنقضي انقضاءً سريعًا، فلماذا لا نتوخّى الهداية والرحمة والسنّة فيه، ثم إذا اضطر الإمام للتخفيف بعض الأحيان بناءً على ضعف الناس وعدم صبرهم وتقديرهم لهذا الشهر العظيم، فلا بأس حينئذ أن يخفف الصلاة ويراعي ضعيفهم وسقيهم، مع مراعاة الأركان والواجبات والمحافظة على مقصود الصلاة، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
(1) الفتح (4/ 298) .
(2) مجموع الفتاوى (23/ 112 - 113) .
(3) البخاري (757) ، ومسلم (397) .