فهرس الكتاب
ثالثًا: هناك فئام من المسلمين لا يشهدون التراويح في رمضان بزعم أنها سنّة وليست واجبة، فمن يقوم بها بشيء عظيم ولا يرتقي مرتقىً عاليًا، ولا ندري هل نسيَ هؤلاء فضل قيام الليل وثوابه وما أُعِدّ لأهله وأربابه، وهل تجاهلوا أنهم في شهر الرحمة والغفران والبركة والإحسان، أما يكفي في شحذ هِمَمهم وتحريك نفوسهم قوله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه) [1] ، ألسنا نحب غفران ذنوبنا ومحو سيّئاتنا؟!! بلى والله!.
وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبّان بسندٍ صحيح: جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من قضاعة فقال: يا رسول الله أرأيتَ إن شهدتُ أن لا إله إلا الله وأنكَ رسول الله وصلّيتُ الصلوات الخمس وصُمت الشهر وقُمت رمضان وآتيتُ الزّكاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ ماتَ على هذا كان من الصِّدِّيقين والشهداء) [2] .
وحقيقة أن هؤلاء المتخلّفين عن التراويح بلا عُذر شرعي وهم سامدون على لعبٍ ولهوٍ وقد حُرِموا خيرها وشقوا بتركها، فيالها من خسارة عظيمة وحسرة فظيعة أن تنتهي الأيام المعدودات وقد صُرفت في اللهو واللعب وفضول المباحات والتخلف عن المكارم والصالحات وما يرفع الدرجات.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 57 - 58] .
فائدتان
الأولى ـ ما يُقال بعد الوتر:
أخرج أصحاب السنن عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلّم في الوتر قال:"سبحان الملك القدّوس" [3] . يطيل في آخرهنّ، وعند النسائي [4] : (يرفع صوته بالثالثة) وهذا الحديث ثابت صحيح، وزاد الدارقطني في سننه (ربُّ الملائكة والروح) [5] .
وعند أصحاب السنن أيضًا عن عليّ رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: (اللهم إني أعوذ برضاكَ مِن سخطِكَ، وبمعافاتك مِن عُقوبتكَ، وأعوذُ بك منك لا أُحصي ثناءً عليَكَ، أنتَ كما أثنَيْت على نَفسِك) [6] .
قال ابن القيم رحمه الله:"وهذا يحتمل قبل فراغه وبعده" [7] .
الثانية: يُستحَب صلاة ركعتين بعد الانصراف من الوتر، ذكر ذلك مسلم في صحيحه [8] ، وقد صح أنه كان يصلّيهما وهو جالس، وفي المسند بسندٍ رجاله ثقات عن أم سلمة رضي الله عنها قالت:"كان يصلي ـ أي النبي صلى الله عليه وسلم ـ بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس" [9] .
وثبت في المسند وصحيح ابن خزيمة بسندٍ حسن أنه كان يقرأ فيهما الزلزلة والكافرون [10] ، وصح الأمر بالركعتين في صحيح ابن خزيمة عن ثوبان رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقال: (إن هذا السفر جهد وثِقَل، فإذا أوتر أحدُكم فليركع ركعتين، فإن استيقظ وإلا كانتا له) [11] .
وبهذا النص الصريح يندفع توهُّم خصوصية الركعتين بالنبي صلى الله عليه وسلم قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله مترجمًا لهذا الحديث:"باب ذكر الدليل على أن الصلاة بعد الوتر مباحة لجميع مَن يريد الصلاة بعده، وأن الركعتين اللتين كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما بعد الوتر لم يكونا خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم دون أمّته، إذ النبي صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالركعتين أمر ندب وفضيلة، لا أمر إيجاب وفريضة".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"ورخَّص أحمد أن تُصلَّى هاتان الركعتان وهو جالس، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فمن فعَل ذلك لم يُنكر عليه، لكن ليس بواجب بالاتفاق، ولا يُذمّ من تركَها، وأكثر الفقهاء ما سمعوا بهذا الحديث، ولهذا يُنكِرون هذه، وأحمد وغيره سمعوا هذا وعرفوا صحته" [12] .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وقد أشكل هذا على كثير من الناس، فظنّوه معارضًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا) [13] ، وأنكر مالك هاتين الركعتين، وقال أحمد:"لا أفعله ولا أمنع من فعله"، قال: وأنكره مالك، وقالت طائفة: إنما فعلَ هاتين الركعتين ليبيّن جواز الصلاة بعد الوتر، وأن فعله لا يقطع التنفّل، وحملوا الحديث على الاستحباب، وصلاة الركعتين بعده على الجواز.
(1) البخاري (37) ، ومسلم (759) .
(2) ابن خزيمة (2212) ، وابن حبان (3436) .
(3) أبو داود (1423) والنسائي في الكبرى (1429) وابن ماجة (1171) .
(4) النسائي في الكبرى (1447) .
(5) الدارقطني (1644) .
(6) أبو داود (1427) والترمذي (3561) والنسائي في الكبرى (1444) وابن ماجة (1179) .
(7) زاد المعاد (1/ 336) .
(8) مسلم (738) .
(9) المسند (6/ 298 - 299) .
(10) المسند (5/ 260) ، وابن خزيمة (401) .
(11) صحيح ابن خزيمة (452) .
(12) مجموع الفتاوى (23/ 93) .
(13) البخاري (998) ، ومسلم (749) .