فهرس الكتاب
والصواب أن يُقال: إن هاتين الركعتين تجريان مجرى السنّة وتكميل الوتر، فإن الوتر عبادة مستقلة، ولا سيّما إن قيلَ بوجوبه، فتجري الركعتان بعده مجرى سنّة المغرب من المغرب فإنها وتر النهار، والركعتان بعدها تكميل لها، فكذلك الركعتان بعد وتر الليل، والله أعلم [1] .
{7} صيَام النبيّ صلى الله عليه وسلم
النبي صلى الله عليه وسلم هو قدوة الأمّة ومربّيها وداعيها وهاديها، وقائدها إلى كل خير ومكرمة وفضيلة، ما من خيرٍ ولا معروفٍ إلا دلَّ الأمّة عليه، ولا مِن شرٍّ ومُنكرٍ إلا حذّرها منه.
نصَحَ فأتمّ النصيحة، ووعظ فأبلغ في الموعظة، ودعا فأقام الدعوة والشريعة، لم يبقَ معروفٌ تعرف العقول أنه معروف إلا أمرَ به، ولا مُنكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه، كان أرفَق الخلق بالخلق، وأعظم ما ينبغي أن يكون عليه الولي من الرّفق، يفيض رحمةً وحنانًا ومحبّةً وإشفاقًا، وتواضعًا وإخباتًا.
له كامل الخلُق والأدب، ومنتهى خصال البرّ والشِّيَم، وجمعَ محاسن ما عليه الأُمم، أكرم الناس وأعلمهم وأوفاهم وأصدقهم، لم يزل قائمًا بأمر الله تعالى على أكمل طريقة وأتّمها من الصدق والعدل والوفاء، لا يُحفظ له كذبة واحدة، ولا ظلم لأحد، ولا غدر بأحد، فبأبي هو وأمّي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما أعظمه وأكرمه وأجمله، نورٌ بدّد الظلمة، وهدىً قشع الضلالة، وحقٌّ دحَر الباطل وأزهقه.
نِعمَ اليتيمُ بدَت مخايلُ فضله
واليُتْمُ رِزقٌ بعضه وذكاءُ
زانَتْكَ في الخلُقِ العظيمِ شمائلٌ
يُغري بهنَّ وَيولعُ الكُرماءُ [2]
أيها الإخوة الصائمون:
صام النبي صلى الله عليه وسلم فكان أجلّ وخير مَن صام وقام وأناب، قدوة الصائمين وسيّد الأبرار وتاج الأتقياء، كان صومه أحسن الصيام خصّه بعظيم الذكر والقيام، ومزيد التبتّل والانقطاع للملك العلاّم، ذِكرٌ ومناجاة ودعاء لا رفثَ فيه ولا لغو ولا آثام.
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في الهدي النبويّ:"وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات، فكان جبريل عليه الصلاة والسلام يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف، وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور، حتى إنه كان ليواصل فيه أحيانًا، ليوفّر ساعات ليله ونهاره على العبادة، وكان ينهي أصحابه عن الوصال فيقولون له: إنّك لَتواصل، فيقول: (لستُ كهيئتِكُم إني أبيت ... ) وفي رواية: (إنّي أظلّ عند ربي يطعمني ويسقيني) [3] ."
والطعام والشراب المذكوران في الحديث اختلف العلماء فيهما، وأكثر أهل العلم أنهم طعامٌ وشرابٌ حسّي للفم.
والصواب ما ذكره ابن القيّم ـ رحمه الله ـ من أنهما طعامٌ وشراب معنىً لا حِسًّا، وقد علّق على ما يربو على صفحة في تقريره وترجيحه، وهو عبارة عما يغذيه الله من معارفه، وما يفيض على قلبه من لذّة مناجاته، وقرّة عينه بقربه وتنعّمه بحبّه والشوق إليه وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ونعيم الأرواح وقرّة العين وبهجة النفوس والروح والقلب بما هو أعظم غذاء وأجوده وأنعمه .... الخ [4] .
وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمةً للأمة، وأوضح أنه من خصائصه، وقد أذِن في وصالٍ إلى السَّحَر، قال الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في صحيحه في كتاب الصيام باب الوصال إلى السَّحَر أي جوازه، وحجّته حديث أبي سعيد الخُدريّ ـ رضي الله عنه ـ أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تُواصِلوا، فأيّكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السَّحَر) [5] . وهذا قول أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعة من المالكية [6] .
أيها الصائمون الأخيار:
إن رسولنا صلى الله عليه وسلم كان مَثلًا كبيرًا ونموذجًا رائعًا في الجدّ والاجتهاد في رمضان ومسارعته في الخير والطاعة، ولم يكن يمنعه من النصح والتذكير والجهاد في سبيل الله تعالى، فلم يكن الصيام في حياته مدَعاة للكسل والنوم والدّعة، بل كان على الضد من ذلك.
وكان فيه تاليًا للقرآن مرتّلًا له، متدّبرًا لآياته متأمّلًا أسراره، يدارسه جبريل القرآن كل سنة مرة، وفي السنة التي قُبض فيها صلى الله عليه وسلم دارسه مرّتين.
وكان صلى الله عليه وسلم طيلة حياته جوادًا مِفضالًا مِعطاءً، وفي رمضان يزداد جودًا وبذلًا وسخاءً، يطعمُ مسكينًا، ويعّلم جاهلًا، ويهدي ضالًا، ويساعد مكروبًا، ولا يردّ سائلًا، وينشر علمًا وذكرًا وهدايةً، فلَرسول الله صلى الله عليه وسلم أجودُ بالخير من الريح المرسلة.
(1) زاد المعاد (1/ 333) .
(2) الموسوعة الشوقية (2/ 15) .
(3) موطأ مالك (1/ 249) والبخاري (1965) ، ومسلم (1103) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وانظر زاد المعاد (2/ 32) .
(4) زاد المعاد (2/ 32) .
(5) البخاري (1967) .
(6) فتح الباري (4/ 241) .