الصفحة 21 من 75

قال ابن رجب رحمه الله:"وكان جوده بجميع أنواع الجود من بذل العلم والمال وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام جائعهم ووعظ جاهلهم وقضاء حوائجهم وتحمُّل أثقالهم، ولم يزل صلى الله عليه وسلم على هذه الخصال الحميدة منذ نشأته، ولهذا قالت له خديجة في أول مبعثه: والله لا يُخزيكَ اللهُ أبدًا! إنّك لَتَصل الرَّحِم وتقري الضيف، وتحمل الكَلّ، وتُكسب المعدوم، وتُعين على نوائب الحق. ثم تزايدَت هذه الخصال فيه بعد البعثة وتضاعفَت أضعافًا كثيرة" [1] .

والحديث حول هديه صلى الله عليه وسلم في الصيام يطول جدًا، بيد أنّ ثمّة مسائل يحسنُ بيانها والتنبيه إليها:

الأولى: كان صلى الله عليه وسلم محبًا للصيام وملازمًا له، ويحض صحابته الكرام عليه، فكان صلى الله عليه وسلم يصوم حتى يُقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم، وما استكمَل صيام شهر غير رمضان، وما كان يصوم في شهر أكثر مما يصوم في شعبان [2] .

قال الشيخ حافظ الحكمي ـ رحمه الله ـ في منظومته"السبُّل السَّوية":

وصحّ مِن فعل النبيّ كانا

أكثر ما يصومُ في شعبانا

ورغّب في صيام المحرّم وأنه أفضل الصيام بعد رمضان [3] ، ولم يصُم رجب قط وما استحبّ صيامه، وكل ما ورد فيه لا يصح بل هو ضعيف.

وكان يتحرّى صيام يوم الاثنين والخميس كما عند الترمذي والنَّسائي بسند صحيح [4] ، وكان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وهي أيام البيض، فقد ذكر النسائي أنه كان لا يفطر أيام البيض في سفر ولا حضر [5] ، وفيه ضعف، وأما صيام ستٍّ من شوال فقد قال فيها: (من صام رمضان ثم أتبعه بستٍّ من شوال فكأنّما صام الدّهر كله) [6] .

وأما صيام عاشوراء فإنه كان يتحرّى صومه على سائر الأيام، ولما قَدِم المدينة وجد اليهود تصومه وتعظّمه فقال: (نحن أحقّ بموسى منكم) فصامه وأمر بصيامه وذلك قبل فرض رمضان، فلمّا فُرض رمضان قال: (مَن شاء صامه ومَن شاء تركَه) [7] .

وأما يوم عرفة فقد صحّ عنه إنه أفطر يوم عرفة وهو حاج كما في حديث أم الفضل بنت الحارث في الصحيحين [8] .

الثانية: صحّ عنه صلى الله عليه وسلم الصيام والفطر حال السفر، وخيّر الصحابة بين الأمرين، فلم يكن يعب المفطر على الصائم، ولا الصائم على المفطر.

جاء في الصحيحين عن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ قال:"كُنّنا في سفر في يومٍ شديد الحرّ، حتى إن أحدنا لَيضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة" [9] .

وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال:"كُنّا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، يرون أن مَن وجد قوة فصام فإن ذلك حَسن، ومَن وجد ضعفًا فأفطر أن ذلك حسَن" [10] . وفي الصحيحين نحوه عن أنس [11] .

وقال ابن عباس:"صام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر، فمَن شاءَ صام ومَن شاء أفطر"رواه مسلم [12] .

وأما حديث: (ليس من البرّ الصيام في السفر) فهو محمول على مَن يجهده الصوم ويشقّ عليه كما هو جَليّ من قصة الحديث [13] .

قال الحافظ بن حجر ـ رحمه الله ـ في حديث أبي سعيد المتقدِّم ذكره:"وهذا التفصيل هو المعتمد، وهو نصّ رافعٌ للنزاع" [14] .

وأما حديث: (الصائم في السفر كالمُفطر في الحضَر) فإنه حديث ضعيف أخرجه ابن ماجة وغيره بسندٍ ضعيف فلا تغتّر به [15] .

الثالثة: كان صلى الله عليه وسلم يقبّل أزواجه وهو صائم ورخّصَ فيها وشبّهها بالمضمضة بالماء، ثبت في المتفق عليه عن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبّل ويباشر وهو صائم، وكان أملكَكُم لأَرَبه" [16] .

وقولها"لأرَبِه"بفتح الهمزة والراء أي حاجته، ويُروى بكسر الهمزة وسكون الراء أي: عضوه، والأشهر الأول.

(1) لطائف المعارف ص (306) ، والحديث المذكور أخرجه البخاري (3) ومسلم (160) والترمذي (3636) .

(2) البخاري (1969) ، ومسلم (1156) .

(3) مسلم (1163) .

(4) الترمذي (745) ، والنسائي (3/ 202) ، وابن ماجة (1739) من حديث عائشة.

(5) سنن النسائي (2654) .

(6) مسلم (1164) ، وأبو داود (2433) .

(7) البخاري (2000) ، ومسلم (1125) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(8) البخاري (1988) ، ومسلم (1123) .

(9) البخاري (1945) ، ومسلم (1122) .

(10) مسلم (1116) .

(11) البخاري (1947) ، ومسلم (1118) .

(12) مسلم (1113) .

(13) البخاري (1947) ، ومسلم (1115) عن جابر بن عبد الله.

(14) فتح الباري (4/ 220) .

(15) ابن ماجة (1666) .

(16) البخاري (1927) ، ومسلم (1107) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت