فهرس الكتاب
وروى أبو داود وابن خزيمة وصحّحه وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي من حديث عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: هشِشتُ فقبّلتُ وأنا صائمٌ فقلت: يا رسول الله صنعتُ أمرًا عظيمًا، قبّلتُ وأنا صائم، قال: (أرأيت لو مضمضتَ من الماء وأنت صائم) قال فقلتُ: لا بأس، فقال صلى الله عليه وسلم: (فمَه) [1] .
وقد اختلف الفقهاء في القُبلة للصائم، والصواب فيها ما اختاره الإمام النووي رحمه الله:"القُبلة للصائم ليست محرّمة على مَن لم تُحرِّك شهوته، ولكن الأوْلى له تركها، وأما مَن حرّكت شهوته فهي حرام في حقه على الأصح، وقيل: مكروهة" [2] .
وهذا اختيار الشيخ العلاّمة حافظ الحكمي ـ رحمه الله ـ كما في السبل السويّة:
وجازَ تقبيلٌ على القول الأصح
إن أِمنَ الشّهوةَ نصًا اتّضح
الرابعة: كان من هديه صلى الله عليه وسلم تعجيل الفطر وتأخير السحور كما ثبت في الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر) [3] ، زاد أحمد في مسنده من حديث أبي ذر: (وأَخَّروا السّحور) .
ويبتدئ في الإفطار بمجرد مغيب الشمس وهو اختفاء القرص، ولا عبرة بالحُمرة الباقية، قال البخاري في صحيحه في كتاب الصيام باب متى فِطْر الصائم؟:"وأفطرَ أبو سعيد الخدري حين غاب قرص الشمس"ثم أخرج بسنده إلى عمر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من هَهُنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) [4] .
قال ابن عبد البرّ رحمه الله:"أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صِحاح متواترة"وعند عبد الرزاق والبيهقيّ بإسناد صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال:"كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أسرع الناس إفطارًا وأبطأهم سحورًا" [5] .
الخامسة: قال ابن القيم رحمه الله تعالى:"وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يدركه الفجر وهو جُنُب من أهله، فيغتسل بعد الفجر ويصوم" [6] ، وهذا ليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم كما ظنّ بعضهم، ويدل لذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه وهي تستمع من وراء الباب فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة ـ أي صلاة الصبح ـ وأنا جُنب أفأصوم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأنا تدركني الصلاة وأنا جُنب فأصوم) ، فقال: لستَ مثلَنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبِكَ وما تأخّر، قال: (والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتّقي) [7] .
وكان أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ في بادئ الأمر يفتي بأن مَن أصبح جُنُبًا من جماعٍ قد أفطر ولا يصح صومه، لكن رجع عن ذلك عندما نوقش وبُيِّن له النص الصريح في ذلك، وقد ثبت رجوع أبي هريرة كما عند النسائي وابن أبي شيبة [8] ، وقد تمسّك بفُتيا أبي هريرة بعض التابعين ثم ارتفع ذلك الخلاف واستقر الإجماع على خلافه كما جزم به النووي [9] .
قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله في السبُل السويّة:
وليغتسلْ مَن جنبا قد أصبحا
ثم ليصُمْ بذا الحديث أفصحا
{8} رَمضَان أيَّامٌ مَعدُودات
إن مواسم الخيرات والبركات ومظانّ الربح والتجارات ليست دائمة ثابتة في كل حال ووقت، بل إنها فُرص مهيّأة وأحوال مخبّأة في بعض الأزمنة والأيام، الفائز مَن بلّغه الله إيّاها ففاز بعمارتها وخيرها وبرّها، والخاسر مَن أضاعها وأهملها ولم يقدرها حق قدرها.
وإنه لحرمان وخُسران أن يُدرك العبد المسلم زمن المغفرة والرحمة، ثم لا يزال فيه حيران كسلان، لم يفز بالرضوان والقبول وزَهِد في الثواب الجزيل وتجاهل الرحمة والغفران، والعتق من النيران.
{وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} [الشورى: 45] .
أيها الإخوة الكرام:
(1) أبو داود (2385) ، وابن خزيمة (1999) ، والحاكم (1/ 431) .
(2) فتح الباري (4/ 181) .
(3) البخاري (1957) ، ومسلم (1098) ، وأحمد في المسند (5/ 147) .
(4) البخاري (1954) ، ومسلم (1100) .
(5) مصنف عبد الرزاق (7591) ، وسنن البيهقي الكبرى (4/ 238) .
(6) البخاري (1925) ، ومسلم (1109) .
(7) مسلم (1110) .
(8) النسائي (2978، 3000) ، وابن أبي شيبة في المصنف (2/ 329، 330) .
(9) فتح الباري (4/ 173 - 174) .