فهرس الكتاب
إن رمضان فرصة عظيمة ومنحة جسيمة لزيادة الأعمال ومضاعفة الأجور ورفع الدرجات، فقبيحٌ بالعقلاء أن يدركوا رمضان فلا يتسابقوا فيه ولا يتنافسوا من أجله، وقد امتدح الله بعض عباده بمسارعتهم في الخيرات: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] ، لأن من زكاة العقل ورشده أن يَعيَ مظانَّ سعادته وسروره وانشراحه ورحمته ونجاته، ودون العقلاء مَن تمرّ عليه مواسم الخير والرحمة فلا يأبَهْ لها ولا ينشط، ولا يسارع فيها ولا يبادر، بل وربما أتلفها بمزيد الخسار والضياع والعصيان.
{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103 - 104] .
قبّحَ اللهُ مَن أدركَ رمضان فلم يُغفر له، ورَغِم أنف مَن أدرك رمضان فلم يجدّ فيه، ورغم أنف مَن جرح صيامه بالآثام، وقطع قيامه بالتّواني والأشغال، واخيبةَ مَن جعل رمضان موسم طعام وشراب وتسابق في الملاهي والشهوات، إنّ هذا لهو الخُسران المبين، وإنه لهو الضياعُ الكبير.
يا صائمون:
إن رمضان أيامٌ معدودات قلائل بالنسبة لاثني عشر شهرًا، لكن هذه المعدودات محفوفة بالخيرات وما يُعلي الدرجات في جنّات النعيم، فهي خير وأبرك من كثير من الشهور والدهور، لأن فيها ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر، فأيّ فضل بعد هذا؟ فلِمَ التقصير والتهاون والتفريط والتكاسل؟!.
إن هذه الأيام المعدودات تستدعينا للجد والاجتهاد والتزوّد ليوم المعاد، فإن قُربةً فيه ليس كغيره، وإن ذِكرًا أو صلاةً فيه أعظم من سواه، وإن صدقة فيه أزكى من غيره من الشهور، وكل فعل طيب معروف هو في رمضان تجارة رابحة وأضعاف مضاعفة.
إن هذه الأيام المعدودات يتفانى الإنسان في اغتنامها بالطاعات، ويبذل جهده ويستفرغ وسعه في إحيائها بكل برٍّ وخيرٍ وصالحٍ ومعروفٍ، إن الصالحين تمر عليهم الأيام المعدودات سراعًا لأنهم عمروها وأحيوها بالطاعات وحفظوها، ومَن عداهم يستثقلونها لأنها لهم فاضحة كاشفة، فمارعوها حقّ رعايتها ولا بلغوا منها حلاوتها ونفائسها، بل كان الصيام عليهم جوعًا وتعبًا ومشقّةً وضنكًا.
مسكين مِن يستطيل مدة الصيام ويشكو فيه الجوع والعطش ولا يتأمل حُسن عاقبته وعِظم أجره وثوابه {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] .
وإنّ عجبَنا لا ينقضي من فئام يشحّون بالمال في رمضان ويستثقلون القيام فيه، ويتلمسون الرخصة والتخفيف بكل حال، سبحان الله!، أين البذل والإحسان وطول القنوت والقرآن، واللّهج بالذكر والدعوات والمسارعة في الخيرات والقرُبات {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] .
إن رمضان أيام معدودات، إن لم تعمرّها الآن فاتتكَ غدًا، وإن أضعتها في الدنيا ساءتك في الأخرى.
الأيام المعدودات ذكرٌ وصلوات وجود وهبات وصدقات ومسارعة في الخيرات، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ما يكون في رمضان [1] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشقِّ تمرة) [2] .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .
إن الصيام المفروض أيام معدودات ليس بطويل ولا ثقيل، بل لذّة وحلاوة وسرور، إن الله تعالى يؤكد لنا أن رمضان أيام قلائل تستحق منها الغاية في الجد والعمل، والنهاية في المسارعة والمسابقة، فهو قليل لكن ثوابه جزيل وكبير، (كلّ عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) [3] . وفي الحديث: (عليك بالصوم فإنه لا عِدْلَ له) [4] عند أحمد والنسائي وسنده صحيح.
أيها الإخوة الكرام:
إنه لا إرث يبقى لكم ويدوم سوى الأعمال الصالحة، هي الميراث الحقيقي، والمال الرابح والكنز الباقي، هي التي ستنير قبوركم وتزيل وحشتكم وتصرف عنكم لأواءَ ذلك اليوم الرهيب الشديد.
{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراًّ وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30] .
وإذا افتقَرتَ إلى الذخائرِ لَم تجد
ذُخرًا يكون كصَالِح الأعمال
يا أيها الصائمون:
(1) البخاري (1902) ، ومسلم (2308) عن ابن عباس.
(2) البخاري (1417) ، ومسلم (1016) عن عدي ابن حاتم.
(3) تقدم تخريجه.
(4) مسند أحمد (5/ 255) والنسائي (4/ 165) وعبد الرازق (7899) .