فهرس الكتاب
إن الأيام المعدودات دُرّة ثمينة من دُرر العصر والزمان الذي هو حياة الإنسان وعمره وسعادته وشقاوته، والذي هو سَرّاؤه وضرّاؤه وصحتّه وسقمه، فكيف يُضيعها المسلم ذو اللُّب النبيه؟.
إن الوقت كله نعمة جليلة وثروة كبيرة، وتستدعينا لليقظة والعناية والرشاد، فكيف وفيه لآلئ الزمن ونفائس الدهر وحلاوة القلب، نحو شهر رمضان المبارك؟!.
والوقت أنفَس ما عُنيتَ بحفظه
وأراه أَسهلَ ما عليكَ يضيعُ
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس، الصحّة والفراغ) [1] .
لقد مرّ على هذه الحياة أناسٌ هم عقلاء العالم وأفذاذ الكون أدركوا ثمنّية الوقت فضنوا به، وعرفوا فضله فتنافسوا فيه، يبكون لانقضائه ويتحسرون لفقده وضياعه، قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ"ما ندمتُ على شيءٍ ندمي على يومٍ غَربت شمسهُ، نقص فيه أجَلي ولم يزِد فيه عملي".
وقال الحسن البصري رحمه الله:"أدركتُ أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشدّ منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم".
لقد أحسّ السلف الصلحاء بقيمة الوقت، فصنعوا في حفظه ورعايته أمثلة مذهلة وأحوالًا مدهشة، يعدّها الغافلون الجاهلون نوعًا من الأساطير والمبالغات، لكنها عند العقلاء النابهين حقائق ثابتات وأخبار صحيحات.
فأوقاتهم حيّة بالصالحات لا يُضيعون شيئًا منها، ولا يقتلونها بكثرة النوم والطعام، يطلبون الفائدة والخير حال الشغل والمرض، ويبتغون المعالي ولو حَالت الصعاب وعكّرت الرّزايا والكروب.
فذلكم الإمام أبو زكريا النووي، قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحُفّاظ [2] :"هو الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام علَم الأولياء صاحب التصانيف النافعة، قال تلميذه ابن العطّار: إنه كان يقرأ كل يوم اثنى عشر درسًا على مشايخه شرحًا وتصحيحًا، وقال أيضًا: ذكر لي شيخُنا ـ رحمه الله تعالى ـ أنه كان لا يضيع وقتًا لا في ليل ولا في نهار إلا في الاشتغال بالعلم حتى في الطريق يكرر أو يطالع، وأنه دام على هذا ست سنوات، ثم أخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة وقول الحق"، قلت: ـ أي الذهبيّ ـ على ما هو عليه من المجاهدة بنفسه والعمل بدقائق الورعَ والمراقبة وتصفية النفس من الشوائب ومحقها من أغراضها. كان حافظًا للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعِلَله، رأسًا في المذهب.
وهذا الإمام العلاّمة والحافظ الفهّامة شيخ الإسلام ومفيد الأنام، صاحب التصانيف الوفيرة والتحقيقات النادرة [3] الذي كان الذكّر هديه وحب العلم دمه وروحه، بلغ من تعظيمه للوقت ومسارعته فيه، ما وصل إلينا من تأليفاته العظيمة الكثيرة التي يعجز أُولو العزائم فينا من نسخ شيء يسير منها، واستطابته للعلم والمطالعة وقت النصَب والسّقم.
نقل ابن القيّم ـ رحمه الله ـ في كتابه"روضة المحبّين":"وحدّثني شيخنا ابن تيمية قال: ابتدأني مرض فقال لي الطبيب: إنّ مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض. فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أُحاكمك إلى علمِكَ: أليست النفسُ إذا فرحَت وسُرّت قويَت الطبيعة فدفعَت المرض؟ فقال: بلى، فقلت له: فإن نفسي تُسرّ بالعلم فتقوى به الطبيعة فأجد راحة، فقال: هذا خارجٌ عن علاجنا" [4] .
رحم الله أئمتنا وعلماءنا، وجزاهم خير الجزاء، ونفعنا بسيرهم وآثارهم، والله الموفق.
{9} مسائل في الصيام
الأولى ـ فرضية الصيام:
صوم رمضان فرض محتّم على كل مسلم، فهو من أركان الإسلام ومبانيه العِظام، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} إلى قوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 183 - 185] ، فهاتان الآياتان أصل في وجوب الصيام من القرآن، أمّا السنّة فأحاديث كثيرة من أشهرها حديث ابن عمر في الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: (بُنيَ الإسلامُ على خمس) وذكر منها صوم رمضان [5] .
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون كافة على وجوب صيام شهر رمضان [6] ، ومن أنكرَه جاحدًا لوجوبه فهو كافر مُرتدّ، إلا أن يكون جاهلًا أو حديث عهدٍ بالإسلام، فحينئذٍ يُعلَّم ويُيبيَّن له الحق، فإن أصرّ وكابرَ فهو كافر يُقتل رِدّةً وكُفرًا والعياذ بالله، لأنه مكذِّب للقرآن والأحاديث الصحيحة.
الثانية: بم وجب صوم رمضان؟
(1) البخاري (6412) .
(2) تذكرة الحفاظ (4/ 1470 - 1472) .
(3) هذا الإمام سيرته من أحسن السير وأجملها وأزكاها وأنفعها، فيها علمٌ زاخر، وشجاعة نادرة وهدىً متين وحكمة رشيدة، وإليكم ثلاثة كُتب لِمن أحبّ مطالعتها بتأمُّل وأناة: الأول: العقود الدرية لابن عبد الهادي الثاني: الكوكب الدرّية لمرعى بن يوسف الحنبلي، الثالث: رجال الفكر والدعوة في الإسلام لأبي الحسن الندوي.
(4) روضة المحبين ص (70) .
(5) البخاري (8) ، ومسلم (16) .
(6) المغني لابن قُدامة (4/ 324) .