فهرس الكتاب
يجب صوم رمضان بأحد أمرين: إما رؤية الهلال، أو إكمال عدّة شعبان ثلاثين يومًا لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ في الصحيحين قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطِروا فإن غُمَّ عليكم
فاقدُروا له) [1] .
وفيهما عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطِروا لرؤيته فإن غَبي عليكم فأكملُوا عدّة شعبان ثلاثين) [2] ، وفي لفظ (فإن غُمّي عليكم فعدّوا ثلاثين) [3] .
وأخرج أحمد وأبو داود وابن خزيمة وغيرهم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفّظ من هلال شعبان ما لا يتحفّظ من غيره ثم يصوم لرؤيته، فإن غُمّ عليه عدّ شعبان ثلاثين يومًا ثم صام) [4] وهذا الحديث صححه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان والدارقطني والنووي والذهبي وغيرهم.
وقد جرى خلاف بين الفقهاء في قوله (فاقدُروا له) ، والصواب الحق الذي لا محيد عنه ولا مطعن فيه أن المراد (فاقدُروا له ثلاثين) كما صرّحت به الروايات الأُخر وفسّرته أكثر الأحاديث، فإن خير وأولى ما فُسّر الحديث بالحديث، وهذا الذي عليه جمهور السلف والخلف [5] .
وقال الحنابلة: معنى (فاقدُروا له) أي ضيّقوا له العدد من قوله تعالى: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: 7] ، والتضييق له أن يُجعل شعبان تسعة وعشرين يومًا [6] ، وهذا قول ضعيف، وليس معه من الأدلة ما يقاوم الروايات الصريحة.
وهناك تأويل ثالث، قال به بعض الفقهاء معناه: فاقدروه بحساب المنازل [7] ، وهذا القول في غاية البطلان والتهافت، لا يعوَّل منه على نتيجة ولا يُستعذَب منه كلمة، ويردّه مع ما سبق صريح قوله صلى الله عليه وسلم: (إنّا أُمّة أمّية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين) [8] .
الثالثة ـ مفطرات الصيام:
وهي الأمور التي إذا فعلها الصائم فسد صومه ولزمه القضاء.
1 ـ الأكل والشرب:
أجمعَت الأمة على تحريم الطعام والشراب على الصائم، وهو مقصود الصوم لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] ، وانعقد الإجماع على ذلك حكاه ابن المنذر وغيره [9] .
فإذا أكل أو شرب وهو ذاكر للصوم عالمٌ بتحريمه مُختار، بطل صومه لأنه فعل ما ينافي الصوم من غير عُذر.
2 ـ الجماع:
وهو من مفسدات الصوم بالنص والإجماع، قال تعالى: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة: 187] ، فمَن جامع في الفرج في نهار رمضان لزمه أمورٌ:
1 -إمساك بقية اليوم، لأنه انتهك حُرمة اليوم بغير مسوغٍ شرعيّ.
2 -قضاء اليوم الذي وقع الجماع فيه، وهذا قول أكثر الفقهاء، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم للمُجامع: (صمُ يومًا مكانه) [10] . وهي زيادة أخرجها أبو داود وابن خزيمة والبيهقيّ، وهي صحيحة بمجموع الطرق.
3 -عليه الكفّارة المغلّظة وهي: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستّين مسكينًا، وقد ثبتت هذه الكفارة في حق الرجل الذي جامَع في نهار رمضان وقِصتّه في الصحيحين [11] ، فإن عجز عن الكفارة سقطت عنه، قال في الإنصاف: الصحيح من المذهب أن هذه الكفارة تسقط عنه بالعجز عنها نصَّ عليه، وعليه أكثر الأصحاب [12] .
4 -عليه التوبة والاستغفار ممّا بدَر منه، لأنه قارفَ ذنبًا عظيمًا.
3 ـ القيء عمدًا:
ومعناه استفراغ ما في المعدة من طعام أو شراب، إما بإدخال إصبعه في فمه، أو تعمّد شمّ شيء يهيّجه، أو نظر إلى شيء ليقيء به، فكل ذلك يوجِب فطره وعليه القضاء فقط، وأما من ذرعه القيء ـ أي غلبَه ـ بغير قصده وإرادته فلا ضير عليه، والدليل ما رواه الخمسة عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقضِ) [13] ، وهذا الحديث سنده صحيح، وقد صحّحه شيخ الإسلام ابن تيمية في حقيقية الصيام [14] .
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه:"إذا قاءَ فلا يُفطِر"وهذا مذهب البخاري [15] .
(1) البخاري (1900) ، ومسلم (1180) .
(2) البخاري (1909) ، ومسلم (1180) .
(3) البخاري (1909) ، ومسلم (1180) .
(4) أحمد (6/ 149) ، وأبو داود (2321) ، وابن خزيمة (1910) .
(5) انظر المجموع (6/ 270) والفتح (4/ 145) .
(6) المغني (4/ 332) .
(7) انظر الفتح (4/ 146) .
(8) البخاري (1913) ، ومسلم (1080) .
(9) المجموع (6/ 313) .
(10) أبو داود (2393) ، وابن خزيمة (1954) ، والبيهقي (4/ 226 - 227) .
(11) البخاري (2600) ، ومسلم (1111) .
(12) الإنصاف (3/ 291) .
(13) أبو داود (2380) ، والترمذي (720) ، وابن ماجة (1676) .
(14) حقيقية الصيام ص (13) .
(15) البخاري (2/ 42) .