الصفحة 26 من 75

ويمكن الجمع بين الأثرين بما فصلّه في الحديث المرفوع وعليه التعويل [1] ، وأما حديث أبي سعيد مرفوعًا: (ثلاث لا تفطر الصائم: الحجامة والقيء والاحتلام" [2] فقد رواه الترمذي بسندٍ ضعيف، لأن فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف عند أهل العلم، ولا فرق بين قليل القيء وكثيره لعموم الحديث، ولأن سائر المفطرات لا فرق بين قليلها وكثيرها، وهذا القول إحدى الروايات عن أحمد ـ رحمه الله ـ اختارها صاحب المغني [3] ."

4 ـ إنزال المنّي بالتقبيل أو الاستمناء:

لأنه في معنى الجماع فيفطر بغير خلاف بين الفقهاء، أما إذا باشرَ فأمْذَي فلا يفسد صومه، وهذا اختيار ابن تيمية، وإذا أنزل بالاحتلام فلا يفطر بالإجماع لأنه مغلوب ليس له إرادة فيه.

وفي عدم الفطر بالمذي قال الناظم:

والشافعي وأكثرُ الجَهابِذ

لا يوجبُ القضا لديهمُ المَذِي

5 ـ خروج دم الحيض والنفاس:

قال موفق الدين بن قدامة رحمه الله:"أجمع أهل العلم على أن الحائض والنُّفَساء لا يحل لهما الصوم وأنهما يفطران رمضان ويقضيان، وأنهما إذا صاما لم يجزئهما الصوم" [4] .

عن أبي سعيد الخُدري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أليست إحداكُنّ إذا حاضَت لم تُصلِّ ولم تَصُم) [5] ، وفي صحيح مسلم عن عائشة أمّ المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ قالت:"كان يصيبنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نُؤمر بقضاء الصلاة" [6] .

فإذا رأت المرأة الدم في جزء من النهار فسد صومها سواء في أوله أو في آخره.

وذكر أهل العلم من المفطرات أيضًا الرّدّة عن الإسلام ـ والعياذ بالله ـ وأنه متى ارتد صومه وعليه قضاء ذلك اليوم إذا عاد إلى الإسلام، وكذلك إذا نوى الإفطار فقد أفطر عند أكثر أهل العلم لأنها عبادة من شرطها النيّة ففسدّت بنيّة الخروج منها كالصلاة [7] .

ويلتحق بهذه المفطرات كل ما كان في معناه كالإبَر المغذّية التي تقوم مقام الطعام والشراب ويتغذّى بها الجسم، فهذه يفطر بها الصائم وعليه القضاء، وأما غير المغذية فلا تُفطر الصائم على الصحيح، ولو وجد حرارتها في حلقه لأنها ليست في معنى الأكل والشرب.

وقطرة العين والأذن لا تفطر لأنهما ليس منفذين إلى الجوف، وكذلك الكحل لا يفطر الصائم، وما رواه أبو داود في السنن أنه قال في الإثمِد معين أنه قال: هو حديث منكر، وما يروى أنه اكتحل وهو صائم فهو حديث ضعيف، وعلى كلٍّ لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء.

وأما قطرة الأنف فالصواب أنها تفطر الصائم لأن الأنف منفذ إلى الجوف، ويدل لذلك قوله في الحديث: (وبالِغْ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا) أخرجه أصحاب السنن وسنده صحيح.

والسواك لا يفطر الصائم ولا يُكره له استعماله بعد الزوال ولو كان رطبًا لعموم الأحاديث في ذلك، وسوف يأتي بحثه في موضعه إن شاء الله، وابتلاع الريق لا يفطر به أيضًا لأنه آتٍ من المعدة فأشبه ما إذا لم يجمعه، ونظيره في عدم إمكان التحرّز منه غبار الطريق، وغربلة الدقيق فلا يفطر بها الصائم، وفي هذا قال الشيخ: محمد مولود الموسوي الموريتاني رحمه الله:

وغَفَرُوا لِصانعٍ غُبارهْ ... وقترَ الطريق للسيّارة

الرابعة ـ العمرة في رمضان:

زيارة سعيدة، وخصلة حميدة، إذ هي ماحية الذنوب، وغاسلة الخطايا والعيوب، ما اجتُنِبَت الكبائر والعظائم. أخرج الشيخان المبجّلان ـ إماما الصنعة في الحديث ـ في صحيحهما عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) [8] .

إذا كان ذلك فضل العمرة وشرفها، فاعجب من فضلها في رمضان، كيف يصير عظيمًا، ويكون بديعًا، يأسر أرواح الصائمين، فينسيهم أنفسهم وديارهم وأشغالهم.

عظمة الثواب، صرفت الأحباب عن كل شغل ولذة، ففي زحمة الصوارف والشواغل يلتمس المسلم الصائم مخرجًا لأداء العمرة الطيبة، ورؤية الكعبة المشرفة، وحصول البركة المضاعفة.

ففي الحديث المتفق عليه عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأة من الأنصار يُقال لها أم سنان: (ما منعك أن تكوني حججت معنا؟) قالت: ناضحان كانا لأبي فلان"زوجها"حج هو وابنه على أحدهما، وكان الآخر يسقي عليه غلامنا، قال: (فعُمرة في رمضان تقضي حجة أو حجة معي) [9] .

ومعنى الحديث عند العلماء: أن عمرة في رمضان تعدل حجة في الفضل والثواب لا أنها تقوم مقام حجة الإسلام، وهذا مُجمع عليه.

قال ابن الجوزي رحمه الله:"في الحديث أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحضور القلب، وبخلوص القصد".

الخامسة ـ الاعتكاف:

(1) انظر الفتح (4/ 207) .

(2) الترمذي (719) .

(3) مغني ابن قدامة (4/ 369) .

(4) المغني (4/ 397) .

(5) البخاري (1951) ، ومسلم (80) .

(6) مسلم (335) .

(7) انظر المغني (4/ 369 - 370) .

(8) البخاري (1773) ومسلم (1349) .

(9) البخاري (1782) ومسلم (1256) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت