الصفحة 27 من 75

الطاعة المبرورة، والسنة المهجورة، خلوة بالله تعالى، وأُنسٌ بذكره، وتلذذ بعبادته، هي التجاء إلى الباري ـ جل وعلا ـ وانصراف عن الخلق، هي استئناس بالله، واستيحاش من الناس، هي توثيق للصلة، وتعميق للمحبة، وتزوّد للآخرة.

بغيضة أحوال كثير من الناس ومجالسهم، فهي لا تخلو من زور وغيبة ولغو وضياع، والنجاة والسلامة أن يعصم الله تعالى العبد من ذلك كله، فيطلب أهل الصدق والنصح والصلاح إن وُجِدُوا، وإلا فليخلُ على علمٍ وهدى، ويعتزل تلك المجالس، ويستمتع بذكر ربه وعبادته، فهي قوت الروح، وصفاء القلب، ومركب النجاة.

في الاعتكاف حياة الإنسان ويقظته واستقامته، إذ آثر الربّ تعالى على الخلق، والخلوة على الخلطة، والذكر على اللغو، والجد على الهزل واللهو.

أيها الصائمون:

معنى الاعتكاف: لزوم المسجد تعبُّدًا وقربة لله تعالى مخصوصة. قال ابن رجب رحمه الله: معنى الاعتكاف وحقيقته قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله، والمحبة له، والأُنس به، أورثَت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال [1] .

والاعتكاف مستحب ولا يجب إلا أن ينذره الإنسان، فيتحتّم عليه حينئذٍ، ويصح في كل الأوقات، لكنه يتأكّد في شهر رمضان، وفي عَشره الأخير آكَد وأحبّ وأطيب.

ويجوز الاعتكاف في كل المساجد لإطلاق الآية: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ} [البقرة: 187] . وأما ما رواه البيهقي والطحاوي والذهبي في السير عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) [2] فهو مع صحته لا يمنع الاعتكاف في غيرها من المساجد لأنه يُحمل على أنه لا اعتكاف من الصيام لما رواه أبو داود والبيهقي بسندٍ صحيح عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: (السنّة فيمن اعتكَف أن يصوم) [3] ، فها نص صحيح صريح في المسألة، وأيضًا"لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكَف مُفطرًا قط .. ولم يذكر الله ـ سبحانه وتعالى ـ الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعلَه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مع الصوم، فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلَف: أن الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجّحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية" [4] وصححه القرطبي في المفهم [5] .

وعلى هذا لا يصح ما ذكره بعض الفقهاء أنه يُستحب لقاصد المسجد أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه، ولم يره ابن تيمية رحمه الله.

وينبغي للمعتكف حال اعتكافه أن يستغرق الوقت في الصلاة وقراءة القرآن ومذاكرة العلم النافع، ويجتنب ما ينافي ذلك من الجدال واللغو والسباب وما لا ينفع من الأقوال والأفعال، ولا بأس بالكلام للحاجة.

أما"ما يفعله الجهّال من اتخاذ المعتكف موضع عِشرة، ومجلبةً للزائرين، وأخذهم بأطراف الحديث بينهم، فهذا لونٌ، والاعتكاف النبوي لون، والله الموفق" [6] .

ويجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد لحاجته كالطعام وقضاء الحاجة كما في الصحيحين من حديث عائشة قالت:"وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" [7] .

أما إذا خرج المعتكف لغير حاجة وضرورة فإن اعتكافه يبطل، وقد حكى أبو محمد ابن حزم ـ رحمه الله ـ الإجماع على ذلك [8] . ويبطل الاعتكاف أيضًا بالجِماع لقوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ} [البقرة: 187] ، والمعنى: أي لا تقربوهن ما دُمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره، وهذا مذهب جماهير المفسرين [9] .

والأخوات المسلمات يُشرع لهنّ الاعتكاف كالرجال لكن بشرط أمن الفتنة، وقد اعتكف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في عهده وبعد وفاته.

وقد أشار العلاّمة الجليل والمتقن النبيل، الفائق في العلم والتحصيل حافظ الحكمي ـ رحمه الله ـ إلى بعض مسائل الاعتكاف في منظومته البهيّة [السبُل السويّة] لفقه السنن المروية فقال:

يُشرع الاعتكاف في المساجدِ ... في أي وقتٍ وبأي مسجد

إلا إذا أدخل فيها الجمعةْ ... فالجامع اشترطه كيلا يدعهْ

وليس فيه الصوم شرطًا بل وردْ ... بالليل والنهار نص معتمدْ [10]

(1) لطائف المعارف ص (349) .

(2) البيهقي (4/ 316) والطحاوي في المشكل (4/ 20) والذهبي في السير (15/ 81) .

(3) أبو داود (3473) والبيهقي (4/ 317) .

(4) زاد المعاد (2/ 87) .

(5) المفهم (3/ 241) .

(6) زاد المعاد (2/ 90) .

(7) البخاري (2029) ، ومسلم (297) .

(8) مراتب الإجماع ص (48) .

(9) انظر تفسير ابن كثير (1/ 231) .

(10) والصواب أن هذا قول مرجوح، والمعتمد شرطية الصيام في الاعتكاف لما أسلفناه من أدلة، والحديث المشار إليه حديث عمر أنه نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أوف بنذرِك) ثابت في الصحيحين، فالجواب عليه من وجهين: الأول: أن المراد ليلة بيومها لاختلاف الروايات كما قاله ابن حبان. الثاني: أنه قد روى أبو داود والدارقطني الحديث بلفظ: (اعتكِف وصُم) وحسّنه بعض العلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت