فهرس الكتاب
لكنه في رمضان أكّدا ... لا سيّما العشر الأواخر اجهدا
فيها بجدّ واجتهادٍ في العمل ... لكي ـ بذا ـ تنال غاية الأملْ
وما لعاكفٍ خروجٌ عنهُ ... إلا لأمرٍ ليس بُدُّ غاية الأملْ
وسُنَّ من بعد صلاة الفجرِ ... دخوله في الاعتكاف فادر
{10} الصّوم توبَةٌ وإنَابَة
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [التحريم: 8] .
{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] .
بدخول رمضان يصوم المسلمون أجمعون بفرحٍ وشوقٍ وابتهاج، حتى المقصّرون تجدهم يبادرون إلى الصيام راجين إصلاح نفوسهم وتصحيح مسالكهم بل أشد من هؤلاء الفُسّاق يعظّمون هذا الشهر ويراعون حُرمته، فلا يخلصون إلى الشر والفساد مثل ما يخلصون في غيره كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم كابن القيّم رحمه الله.
وكأن هؤلاء على قناعة تامة من أهمية رمضان وفضيلته، وأن الآثام فيه تُضاعف كما تُضاعف الحسنات والأجور، لِذا تراهُم يحفظون حرمة الصيام إلى حدٍّ كبير مع اختلاف بينهم في ذلك، حيث قد بدَت طوائف هذه الأيام تصون أنفسها حال الصيام فإذا حان الإفطار فرحوا لكي يمارسوا خطاياهم ومفاسدهم، حتى إن بعض المدخّنين ـ أصلحهم الله ـ يبادر بالتدخين وقت الإفطار وكأنه كان في ضنكٍ وحرج وضيق من فُقدانه والبُعد عنه، والله المستعان.
يا أيها الأخوة:
إن رمضان فرصة للتوبة وسبيل إلى الرجوع والأوبَة، فقد توافرت فيه كل الدوافع المساعدة لرجوع العبد إلى ربّه منها:
-سعة رحمة الله وفضله في هذا الشهر الكريم.
-انحسار مدّ الشياطين وتضييق مجاريهم.
-إقبال النفوس على الطاعة وتسابقها في ذلك.
-صفاء النفوس بالصوم حيث يهذّبها ويربّيها ويجعلها قريبة من الانتفاع بسماع القرآن والذكر، ومن ثم يكون سببًا في توبتها وإنابتها إلى خالقها وربّها تعالى.
يا صائمون:
رمضان موسم رحمة ومغفرة ولجوء إلى الله وتوبة، {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82] ، كيف يعصي الصائم فيه ربَّه ويتمرّد على حكمه وشرعه؟! أما درى هؤلاء أن الفضل فيه عام سابغ، وأنّ صومهم جُنّة لهم عن كل سوء وشهوة، ثم هو جُنّة من النار، لأنهم زجروا أنفسهم عن الشهوات والمعاصي فكان ذلك سببًا في نجاتهم من النار.
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] .
إن إقبال الناس على الطاعة في رمضان ومسارعتهم فيها آية رجوعهم وتوبتهم إلى الله تعالى، إذ الإقبال على الطاعة علامة خير وصلاح في العبد، وربّنا تعالى أرحم الراحمين وخير الغافرين، واسعُ الفضل والمنّ صاحب الجود والطَّول، يقبل التوبة ويعفو عن السيئات، بل يبدّلها إلى حسنات مباركات كما قال سبحانه:
{إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 7] . وجاء في حديث عند الطبراني والبزّاز والبغوي، وقال الحافظ: هو على شرط الصحيح، أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلًا عمل الذنوب كلها ولم يترك حاجة ولا داجة، فهل له من توبة؟ فقال: أسلمت؟ قال: نعم، قال:"فافعل الخيرات واترك السيئات فيجعلها الله لك خيرات كلها"قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: نعم، قال فما زال يكبّر حتى توارى [1] .
رحمته وسعت كل شيء، وإنعامه لا يقف عند حد، يبسط يده بالليل ليتوب مسيءُ النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيءُ الليل [2] .
أي تشويق وترغيب يرومُه العبد بعد هذا الجود الواسع، وهذا الإطماع المتناهي. وفي هذا الشهر الكريم تُفتّح أبواب الجنة وتُغلق أبواب النهار وتُصفَّد الشياطين ويعتق اللهُ مَنْ شاء مِن عباده وذلك كل ليلة.
سبحان الله! الخيرات تدنو والشرور تقصو، والنفوس إلى الطاعات أرغب وأقرب، وعن المعاصي أبعَد وأقصر، والأجور وافرة والشياطين عاجزة.
(1) الطبراني في الكبير (7235) والبزار (3244) .
(2) حديث صحيح في مسلم عن أبي موسى (2759) .