الصفحة 29 من 75

ثبت في المتفق عليه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء رمضان فُتّحت أبواب الجنّة وغُلِّقت أبواب النار وصُفّدت الشياطين [1] ، وهذا لفظ مسلم. وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وغيرهم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفّدَت الشياطين ومرَدُة الجنّ وغُلّقَت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفُتّحت أبواب الجنّة، فلم يُغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغيَ الخيرِ أقبِل، ويا باغيَ الشرّ أقصِر، ولله عُتَقاء من النار وذلك كل ليلة) [2] .

وفي هذا الحديث دليل على أن التصفيد ليس لكل الشياطين بل لبعضهم وهم مرَدة الجنّ، وعلى هذا ترجم الإمام أبو بكر ابن خزيمة ـ رحمه الله ـ في صحيحه.

وقد استشكل بعض الناس وجود الشرور والمعاصي وكثرتها في رمضان، فلو صُفّدَت الشياطين لم يقع ذلك؟ والجواب: أنها تقل عن الصائمين الصومَ الذي حُوفِظ على شروطه وروعيَت آدابه، وصلحت به أنفسهم وقلوبهم، فحينئذ يحصل لهم الانتفاع بذلك، وقيل: إن التصفيد خاص بالمرَدة من الشياطين وليس كل الشياطين كما في الحديث السابق، وقيل: المراد تقليل الشرور فيه كما هو محسوس، وقد تكون الشرور منبعثة من أسباب أخرى كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية [3] .

والجواب الأول والثاني معتبران أما الأخير فضعيف، لِما عُلم من أن النفوس الخبيثة والشياطين الإنسية إنما أزَّتْها إلى الشرور والإفساد الشياطين، والله أعلم.

أيها الصائمون الكرام:

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل الناس يغدو فبائعٌ نفسَه فمُعتِقُها أو مُوبِقُها) [4] ، أي"أن كل إنسان فهو ساعٍ في هلاك نفسه أو في فِكاكها، فَمَن سعى في طاعة الله فقد باع نفسه لله وأعتقها من عذابه، ومَن سعى في معصية فقد باع نفسه بالهوان، وأوبقَها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه" [5] .

{11} حلاوة الصّيَام

الصيام طبّ النفوس، وغذاء الروح، وزاد القلوب، هو أُنس المتقين، وحلاوة المهتدين، وحياة الصالحين.

إن للصيام حلاوة ولذّة تَصُبّ من إيمان العبد بربّه وإخباته وخشوعه لله رب العالمين، الصيام زينة عباد الله المؤمنين وصلاحهم وفلاحهم، مَن صاموا ابتغاء وجه ربهم مؤمنين مُحتسِبين.

إن الصيام ـ وهو حبس النفس وملذّاتها ومحبوباتها، هو في الحقيقة صلة وثيقة بالله عز وجل، وقُربة حميدة لنيل رحمته وعفوه، وهو إيثار لمحبّته ومرضاته ـ سبحانه وتعالى ـ يطيب الصائم فيه ويتنعّم، ويسعد ويتلذّذ، وينشرح ويغنَم.

الصيام ظاهرهُ التعب والجوع، والألم والمشقّة، لكنه ـ في الحقيقة ـ جَنّة إيمانية مزهرة، وروضة يانعة مخصبة، يجني الصائمون منها لذائذ الإيمان ومنائر الخشوع وثمار التقوى، الصيام محفوف بنورٍ يُدركه أهل الإيمان والقرآن، وفيه حلاوة لا ينالها إلا أهله وأربابه مَن خالطَت بشاشةُ الإيمان قلوبهم، وأشرقت معالم الهداية في نفوسهم، هُم مَن سيَرث خزائن التقوى والرحمة.

إن الصيام لا يحلو بغير الله تعالى وقراءة القرآن، لذا لابد له مما يُغذِّيه ويروّيه، فلكي يحلو الصيام لابد من الذكر والقرآن، ولكي يحيا لابد أن يكمل بالطاعة والإحسان، ولكي يصفو لابد من صيانته من اللغو والآثام.

الصيام صِنوُ الذكر والقرآن، لا يحلو ويحسُن ويزكو بمجرد الإمساك عن الطعام والشراب، بل لابد من سقايته وتنميته وتربيته بالذكر والطاعة والخيرات.

قال صلى الله عليه وسلم ضمن حديث الحارث الأشعري الطويل:"وأمرَكم بالصيام فإن مثل ذلك رجل في عصابة، معه صُرّة فيها مسك، فكلهم يَعجب أو يعجبه ريحه وإن ريح الصيام أطيب عند الله من ريح المسك) أخرجه أحمد وغيره بسندٍ صحيح [6] ."

(1) البخاري (1899) ، ومسلم (1079) .

(2) الترمذي (286) والنسائي (2418) وابن ماجة (1642) وابن خزيمة (1883) .

(3) انظر الفتح (4/ 137) .

(4) أحمد (342) ومسلم (223) ، والترمذي (3517) عن أبي مالك الأشعري.

(5) جامع العلوم والحِكَم ص (28) .

(6) أحمد (4/ 202) والترمذي (2863) والحاكم (1/ 421) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت