فهرس الكتاب
قال ابن القيم رحمه الله:"إنما مثّل صلى الله عليه وسلم ذلك بصاحب الصرّة التي فيها المسك لأنها مستورة عن العيون، مخبوءة تحت ثيابه كعادة حامل المسك، وهكذا الصائم صومه مستور عن مشاهدة الخلق، لا تدركه حواسهم، والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفُحش وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرّفَث، فإن تكلّم لم يتكلم بما يجرح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه، فيخرج كلامه نافعًا صالحًا، وكذلك أعماله فهي بمنزلة الرائحة التي يشمها مَن جالّس حامل المسك، كذلك مَن جالَس الصائم انتفع بمجالسته وأمِن من الزور والكذب والفجور والظلم. هذا هو الصوم المشروع، لا مجرد إمساك عن الطعام والشراب" [1] انتهى.
إن صفوة الصائمين هم مَن يستغرِق رمضانَ في الذكر والعبادة وقراءة القرآن، ويعتزل مجال اللغو والرفَث وفضول الكلام، فلا يبدي إلا خيرًا، ولا يصنع إلا معروفًا، عندها يسلم له صومه، فينتفع به ويغتبط إذ تُخالط حلاوة الصيام روحه ودمه لما يلقي من حلاوة المناجاة ومنفعة الدعاء وبركة الذكر، والعبادة، فلا يستطيل يوم الصيام ولا يذوق مرارة الجوع، وينسى التعب والنصب.
اطمأن الأخيار بالصيام وطابت نفوسهم به وسكنت إليه، فورثوا السعادة والنور والتقوى إذ أن صيامهم مُلأ بالهدى والنور فأنارَ لهم دروب حياتهم، وبلّغهم محبة ربهم ورضاه، فحصّلوا ألوان السعادات في شدائد النفس والمشقّات، فمَن رامَ السعادة فليستقم على طاعة ربه مُخبتًا خاشعًا وليكثر ذكره وشكره والإنابة إليه حتى يظفر بمحبة الله تعالى.
"فإنه لا نعيم ولا لذة ولا ابتهاج ولا كمال إلا بمعرفة الله تعالى ومحبته والطمأنينة بذكره والفرح والابتهاج بقُربه، والشوق إلى لقائه، فهذه جنّته العاجلة، كما أنه لا نعيم له في الآخرة ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنة الآجلة، فله جنتان لا يدخل الثانية منها إن لم يدخل الأولى، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميمة ـ قدّس الله روحه ـ يقول: إنّ في الدنيا جنّ مَن لم يدخلها لم يدخل جنّة الآخرة."
وقال بعض العارفين: إنه ليمرّ بالقلب أوقات، أقول: إن كان أهل الجنة في مثل إنهم لفي عيشٍ طيّب.
وقال بعض المحبّين: مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قالوا: وما أطيب ما فيها؟ محبّة الله والأُنس به والشوق إلى لقائه والإقبال عليه والإعراض عمّا سواه
ـ أو نحو هذا من الكلام ـ وكل مَن له قلب حيّشهد هذا ويعرفه ذوقًا" [2] ."
قال بعض العارفين لقومٍ:"ما تعدّون العيش فيكم قالوا: الطعام والشراب ونحو ذلك، فقال: إنما العيش ألا يبقى منك جارحة إلا وهي تجاذبك إلى طاعة الله، مَن عاش مع الله طاب عيشه، ومن عاش مع نفسه وهواه طال عيشه".
قال الحسن:"إن أحباء الله هم الذين ورثوا أطيب الحياة بما وصلوا إليه من مناجاة حبيبهم وبما وجدوا من لذّة حبه في قلوبهم"، وأكل إبراهيم بن أدهم مع أصحابه كِسَرًا يابسة ثم قام إلى نهر فشرب منه بكفّه، ثم حمد الله وقال:"لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم والسرور لجالدونا عليه بالسيوف أيّام الحياة، على ما نحن فيه من لذيذ العيش وقلة التعب"فقال بعض أصحابه: يا أبا إسحاق طلب القوم الراحة والنعيم فأخطأوا الطريق المستقيم فتبسّم ثم قال: مِن أين لك هذا؟
أهل المحبّة قومٌ شأنهم عجبُ
سرورهم أبدٌ وعيشهم طرَبُ
العيش عيشهمُ والمُلك ملكُهمُ
ما الناسُ إلا هُم بانوا أو اقتربوا
قيل لبعض العارفين وقد اعتزل عن الخلق: إذا هجَرْتَ الخلق مع مَن تعِيش؟ قال: مع مَن هجرتُهم لأجله [3] .
وقيل لمالك بن مِغْوَل وهو جالس في بيته وحده: ألا تستوحش؟ فقال: ويستوحش مع الله أحد؟!
وقال مسلم بن يسار:"ما تلذّذ المتلذِّذُون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل" [4] .
وقال الفُضيل رحمه الله:"طوبى لمن استوحش من الناس وكان اللهُ جليسَه" [5] .
وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله:"أعلى الدرجات أن تنقطع إلى ربك وتستأنِس إليه بقلبِك وعقلك، وجميع جوارحك حتى لا ترجو إلا ربَّك، ولا تخاف إلا ذنبك، وترسخ محبته في قلبك حتى لا تُؤثر عليها شيئًا، فإذا كُنتَ كذلك لم تُبالِ في بَرٍّ كنتَ أو في بحر أو في سهل أو في جبل، وكان شوقك إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد وشوق الجائع إلى الطعام الطيّب، ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل وأحلى من الماء العذب الصافي، عند العطشان في اليوم الصائف" [6] .
{12} صوم السُّعَداء والأشقيَاء
(1) الوابل الصيب ص (43) .
(2) تهذيب مدارج السالكين ص (245) .
(3) شرح حديث"لبيك اللهم لبيك"ص (60 - 62) لابن رجب الحنبلي.
(4) الخبر في الحلية (2/ 294) .
(5) الحلية (8/ 108) .
(6) انظر جامع العلوم والحكم ص (133) .