فهرس الكتاب
السعداء هُم مَن سعد بالصيام فأسعده الصيام وآنسَه وزكّاه وهداه، كان صيامهم عونًا لهم على طاعة الله تعالى، فأكسبهم تقواه ومحبته وولايته، حفِظوا الله تعالى في صومهم، فحفظهم الله
ـ سبحانه ـ ورعاه وأسبغَ عليهم نِعَمه.
كان صيامهم محض سعادتهم ونورهم وهدايتهم، شرفوا به غاية الشرف وبلغوا به سماء العز والمجد، إذ إن طاعة الله عزّ للعبد وكرامة، ومعصيته ذلُّ له ومهانة، طَفحَ السرور عليهم بمقدم رمضان، والسعادة تغمر محيّاهم وكلامهم وفعالهم.
السعداء عرفوا قدر الصوم فجعلوه خصبًا بفعل الصالحات، ريّانَ بقراءة القرآن والصدقات، أدرك السُّعَداء أن الصوم عبودية للواحد القهار، فيها الطاعة والامتثال والضراعة والابتهال والصبر ومحاسن الخلال.
السعداء إذا أردكَهم رمضان ازدادوا هِمّةً ونشاطًا وقوةً وفلاحًا ونورًا وصلاحًا، عرفوا أن صيامهم إمّا لهم وإمّا عليهم، فساسوه بميزان التقوى، وصانوه من براثن الهوى، وثبّتوه بأنوار الحق والهدى.
السُّعَداء في رمضان صائمون ذاكرون، قائمون قانتون، داعون ومجاهدون وعلى ربهم يتوكلون، رمضان عندهم عيد وسرور، وجنّة وحبور، وذكر ونور، يودّون لو طالت أيامه وبعدت لياليه، واستدامت نعمته وفرحته وبهجته.
رمضان عندهم ذكرٌ وصلاة وتلاوة ومناجاة، وجهاد ومواساة، تذكّروا نِعَم الله عليهم وما أتم به وأكرم، فسعوا في نفع غيرهم بالدعوة والطعام والشراب والكساء.
{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] .
إذا انصرَمَت أيام رمضان بكي السعداء وتأسَفوا لفقدان حبيبهم وروحهم وراحتهم
وما مرّ يومٌ أرتجى فيه راحةً ... فأذكُرُه إلا بكيت علي أمس
يبكون لفراقه ويحنون لانقضائه.
يا أيها السعداء:
هنيئًا لكم حُسن الصيام وحُسن العبادة والقيام، ظفرتُم لعمري بالسعادة والسرور وحُزتُم البركة والأجور، فيالها من فرحة تغمر النفس وتشرح الفؤاد وتورث النورَ والضياء.
{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .
أما الأشقياء فهم من شقي بالصيام، وأشقاه الصيام وأضناه وأتعبَه، كان الصيام عليهم إصرًا وبلاءً ومشقةً وضنكًا، إن صاموا فليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش، لا يذوقون فيه إلا الهم والضيق والمرارة والحرمان.
كان صيامهم عليهم عمىً وردَىَ لا يجاوز حالهم ولا يغير صفاتهم وأحوالهم، إذ إنهم إن صاموا صاموا على كرهٍ ومضَضٍ وضيق ونكد، تعقبهم كآبة في المنظر وسوء في المنقلب، نهارهم قد ثقل بالنوم والكسل، وليلهم أظلم وهالك باللعب واللهو والسفَه، ومن الأشياء مَن لا يصوم بتاتًا فهؤلاء قد خسروا خُسرانًا مبينًا، وقد ضلّوا ضلالًا بعيدًا.
{وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ} [التوبة: 46] .
الأشقياء لا يراعون جلالة الشهر وهيبته، فتراهم سرعى هملًا وراء حسرتهم وندامتهم، يطلبون غيّهم وفسقهم وخناهم.
ألم يعلموا بأن الله يرى، مُحيط بهم لا تخفى عليه خافية، وسيأتي بهم عبدًا عبدًا إذ أحصاهم وعّدهُم عدًا، وكلُّهم آتية يوم القيامة فردًا.
سبحان الله! ألم يأتهم أنباء رمضان وبيّناته؟! ألم يكن لهم آيةً أنوار رمضان ودلائله؟! ألم يروا فرحة الأمّة واغتباطها بهذا الشهر؟! عجبًا!!. {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] .
كنا في حقبةٍ من الدّهر، نشكو فئامًا لا يعرفون اللهَ إلا في رمضان، فما بال جموعٍ غفيرة من الناس شقيت في رمضان وغيره، ما حقّ مَن لم يكن له من الصيام إلا اسمه؟! لم يذُق نوره وحلاوته وروحانيّته. عياذًا بالله من ذلك.
يا أيها الإخوان:
اسلُكوا درب السعداء في رمضان هم مَن عرف قدر رمضان، فصامَه صوم المتقين العابدين القانتين، صاموه بنفوس صادقة وقلوب خاشعة وألْسنة ذاكرة، ليست بهاذية ولا لاغية، كان صومهم ثُمال قلوبهم وحياة نفوسهم وجلاء أحزانهم وغمومهم.
يا أيها الصائمون:
تجنّبوا طريق الأشقياء في رمضان، الذين نسوا الله تعالى فأنساهم ذكره، الذين كان صومهم عليهم ندامة وحسرة، نعوذ بالله من حالهم ومآلهم.
قومٌ جاءوا في رمضان بالخاطئة، وكانت أيامهم من ذكر الله خالية، شرِقوا بالصيام فأورثهم البؤس والحرمان، وأنزلَهم منازل الخيبة والخُسران، يحسبون طول بقائهم عزاٍّ لهم، وغِناهم سرورًا لهم، وأموالهم تمكينًا لهم، كلاّ والله!! بل كل ذلك استدراج وبلاء ونكبة وغصّة ولأواء، ولكن متى يعلمون؟ قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 55 - 56] .