فهرس الكتاب
قال ابن كثير رحمه الله: يعني أيظنّ هؤلاء المغرورون، أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد، لكرامتهم علينا ومعزّتهم عندنا، كلا ليس الأمر كذلك كما يزعمون في قولهم {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 35] ، لقد أخطأوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجًا وإنظارًا وإملاءً، ولهذا قال: {بَل لا يَشْعُرُونَ} كما قال تعالى: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 55] ، وقال تعالى: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران: 178] ، وقال تعالى: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [القلم: 44] [1] .
أيها الإخوة:
ألم يأن لهؤلاء أن يعودوا إلى ربّهم ويُنيبوا إليه، وينقادوا لِحُكمه ويخشعوا لذكره وآياته.
في يوم القيامة يفرح السعداء الأخيار، ويحزن الأشقياء الأشرار، يُبَوَّاُ الصالحون منازل ذهبًا، وينقلبُ الذين ظلموا منقلَبًا صعبًا أرداهم الهوى وغرّهم طول الأمل، إذ تنكّروا للنُّذُر وأعرضوا عن هدايات البشر. {أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [فاطر: 37] .
أُنذِروا بالسّقم فلم ينزجروا، ووُعِظوا بالشَّيب فلم يتّعظوا وابتُلوا بالكروب فما أقلعُوا وأنابوا، والله المستعان!.
لله درُّ الشّيب من واعظٍ ... وناصحٍ لو سُمع الناصحُ
يأبى الفتى إلا اتّباع الهوى ... ومنهجُ الحقِّ له واضحُ
فاسْمُ بعينيكَ إلى نسوةٍ ... مهورهنَّ من العملُ الصالحُ
لا يجتلي الحوراءَ مِن خِدرها ... إلا امروٌ ميزانُه راجحُ
مَن اتّقَى اللهَ فذاكَ الذي ... سِيق إليه المتجرُ الرابحُ [2]
{13} أخطَاءُ الصَّائمينَ
إن الصائمين رغم تلبسهم بهذه الطاعة الجليلة، وما هم فيه من خير وبركة، تبدو منهم بعض الأخطاء والمزالق التي تجانب
الصيام، وتعكر صفوه وتحط من قدره وتنقص أجره.
الصائمون عباد الله استسلموا وأنابوا إلى ربهم، يرجون رحمته ويبغون ثوابه، ويحزننا أن يصدر من بعضهم أقوالًا وسلوكيات تنافي مقصود الصيام وما فيه من تعبّد وتذلّل وخشوع لله جل وعلا، وإننا إذ نذكر هذه الأخطاء لا نطعن في الصائمين ولا نقلّل من فضلهم، إنما ننّبه على أخطاء فئة منهم ـ والله الموفق ـ فمن تلك الأخطاء:
أولًا ـ بذاءة اللسان:
قال صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقُل خيرًا أو ليصمُت) [3] . وقال لّمعاذ رضي الله عنه: (كُفَّ عنكَ هذا) [4] . وأشار إلى لسانه.
اللسان جالب شر على العبد في كل وقت وحين، والعبد مؤاخذ بكل ما يلفظ به ويتكلم، قال صلى الله عليه وسلم: (إنّ الله تجاوزَ عن أمّتي ما لم تعمل أو تَكَّلم) [5] ، ويشتد خطر اللسان حال الصيام مما قد يفوّت على الصائم خيرًا كثيرًا لِما ثبت في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: (مَن لم يدَع قول الزور والعملَ به فليس لله حاجةً في أن يدَع طعامه وشرابه) [6] .
وجرائر اللسان التي تضر بالصوم كثيرة منها: الكذب قول الزور والغيبة والنميمة والسباب والجِدال وأشباهها، هي محرّمة على كل حال وفي حال الصيام آكَدُ وأشدّ.
فلماذا بعض الصائمين ـ هداهم الله ـ لا ينفرط لسانه إلا وهو صائم، فيفوه بما يكدّر صفو صيامه ويُذهِب حلاوته، فليتّقِ الله هؤلاء الصُّوام الذين صانوا صومهم من الحلال ولم يصونوه من الحرام، وليتذكروا عاقبة كلامهم وما يعود به من الضرر عليهم، وليجتنبوا هذه المحرمات وأماكنها ومَن يحرّض ويبعث عليها أو الخوض فيها، وقد أرشد الشارع الحكيم عباده الصائمين إلى ما يطهر الصائم ويحفظه ويصرفه عن تلكُم الشرور بالكلية: (فإن سابّه أحدُ أو قاتله فليقُل إنّي امروٌ صائم) [7] .
ثانيًا ـ تضييع صلاة الجماعة:
قد اتفق أهل العلم أن صلاة الجماعة من أفضل الطاعات وآكد الواجبات، {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] ، فواعجبًا يا صائمون كيف يستقيم صيام مَن لا يشهد الصلاة مع المسلمين أو ربما كان لا يصلي والعياذ بالله، فهؤلاء لن يُغني عنهم صيامهم وإمساكهم من الله شيئًا؟!
قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله:
ثانية الأركان للإسلامِ ... تنهي عن الفحشاء والآثام
قرّة عين المصطفى فيها كما ... عن نفسه أخبرَ نصًا مُحكما
ولم يزل مُبادرًا إليها ... وكم له مِن بيعة عليها
ومَن يكن صلاته قد ضيّعا ... فهو لغيرها يقينًا أضيعا
(1) تفسير ابن كثير (3/ 257) .
(2) ديوان أبي نواس ص (618) .
(3) البخاري (6135) ، ومسلم (47) عن أبي هريرة.
(4) الترمذي (2619) ، وابن ماجة (3973) .
(5) البخاري (2528) .
(6) البخاري (1903) ، وأبو داود (2362) .
(7) البخاري (1894) ، ومسلم (1151) .