الصفحة 33 من 75

ألا ترى الفسطاط يا ذا عندما ... عموده يسقط منه انهدما

كذلك لم يثبت بناء الباني ... بعد انهدام أعظم الأركان

فهي عمود الدين فاحفظْنها ... فإنَّ أوّل السؤال عنها

إن قُبلَت يُقبل سائرُ العمل ... أو لا فيا صفقة خسر لم تَقِل

إن هناك طوائف كثيرة من الصائمين قد أضاعت صلاة الجماعة في رمضان وقبله، ولم يتّعظوا وينزجروا بمجيء رمضان، ولعل هؤلاء كان رمضان حملًا ثقيلًا عليهم، إذ سرورهم برمضان وفرحهم به، يقضي بأن يصلحوا أحوالهم ويتوبوا إلى ربهم من كل خلل وتقصير، ومن ذاك المحافظة على الصلاة في الجماعة.

وفئة من هؤلاء لا يشهد سوى المغرب والصبح، فأما المغرب فِلتزامنها مع الإفطار، لذا تجد أكثر أهل الحيّ يخرجون إليها، أما الصبح فلأنهم ساهرون سامرون على لهوهم ولغوهم، والله المستعان!.

ثالثًا ـ الإفراط في المطعومات والمشروبات:

إن مِن فرح كثير من الناس في هذه الأزمان برمضان يجعلهم يستقبلونه بفيضٍ من الطعام والشراب ويبالغون في ذلك، حتى كأن رمضان موسم تفنّن في المآكل والمشارب وجمع وادخار لها.

{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] ، لهذا يجب على الإخوة الصائمين الاعتدال في ذلك وعدم الإسراف والمبالغة في الطعام والشراب الذي قد يؤدي إلى تضييع واجب أو ضرر بالروح والجسد.

وليتذكّر هؤلاء المسرفون وهم يبذلون جلّ أموالهم في بطونهم، أن في الساحة فقراء ومساكين لا يجدون ما يسد رمقهم ولا يقيم أصلابهم.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] .

رابعًا ـ التساهل والانصراف عن هذا الشهر العظيم:

يُلحظ على فئامٍ من الناس عدم إجلالهم وإكبارهم لرمضان، وهذا شيء عجيب وخطير، لأن المؤمنين الصادقين هم مَن يُجلّ رمضان ويقدره حق قدره، ولا ينسى فضله وأهميته، وهؤلاء المساكين كأنهم لم يعرفوا فضله وثوابه ولم يروا الأمّة فِرحَة باستقباله، فتراهم ليس لهم في رمضان إلا الإمساك فحسب، وغالب أوقاتهم صدود وبرود، بل ربما فتح بعضهم لنفسه باب نزهة أو مشروع أو إنهاء عمل وشغل، حتى ينقضي رمضان فيبوء بالخسارة والندامة. قال صلى الله عليه وسلم: (رغِمَ أنف رجل أدركه رمضان ثم انسلخَ فلم يُغفر له) [1] .

خامسًا ـ النوم الكثير:

قبيحٌ والله فعل كثير من الصائمين في رمضان، إذ يقضون معظم نهارهم في سُباتٍ عميق إما لسهرٍ إلى بروق الفجر، أو كراهة تحسّس آلام الجوع والعطش، أو فراغ قاتل لا يدري المرء ماذا يصنع فيه، وأسهل وسيلة لإزالته النوم الكثير الذي ربما استمر إلى العصر أو الغروب، وهذا النوم فيه مفاسد عديدة لعل أهمها وأسوئها تضييع الصلاة وفعلها بعد خروج وقتها، وجرى عليه بعض أهل العلم.

ثم هؤلاء مع نومهم الطويل في النهار، تجدهم يحيون ليالي رمضان في اللعب واللهو، لا سيّما الكرة التي يتداعى لها الناس من كل مكان ويتم الاستعداد لها من وقتٍ مبكّر، بل ربما تنشط الحركة الرياضية في رمضان أشد من غيره، وكأن هذا الشهر الفاضل للكرة واللعب دون خوف ولا حياء ولا مبالاة.

وإننا قبولنا هذا لا نحرّم الكرة ولكن نقول: ضاق الوقت بهؤلاء فلم يجدوا رمضان يمارسون فيه لهوهم ولعبهم، أهذا هو جزاء النعمة؟! أهذا حق رمضان الأيام المعدودات؟!، والذي نفسي بيده إن مَن يقضي نهاره في النوم الطويل وليله في السهر المميت قد كانوا في ضلال مبين، وقد ضلوا وما كانوا مهتدين.

وآخرون يقضون الليالي الشريفات في المقاهي وعلى الأرصفة والطرقات لا يستحيون ولا يستثنون ليله منه، وهم ما بين لغوٍ وزور وضحك وسفه، والله المستعان.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 8] .

سادسًا ـ جعل رمضان موسم لعب ولهو:

إن رمضان ـ يا صائمون ـ شهر عبادة وفضيلة وطاعة وإنابة وخشية، لا يجوز ولا ينبغي أن يُجعل زمنًا للملاهي والألعاب وتضييع الأوقات بالضارّ الفاسد الوخيم.

إن هناك صائمين جعلوا من رمضان موسمًا للعب واللهو وإضاعة الأوقات، فتجدهم يضيعون الصلاة في الجماعة، ويتخلّفون عن التراويح، ويكثرون من اللعب واللهو، بحيث لا يبقى لهم من وقتهم ساعة لقراءة القرآن وذكر الله تعالى، نعوذ بالله من حالهم!.

بل ربما كان لعبهم وسهرهم حال أداء المسلمين صلاة القيام، قال تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} [المائدة: 58] .

(1) الترمذي (3545) ، وابن خزيمة (1888) ، والحاكم (1/ 549) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت