فهرس الكتاب
ابتسم أبو بكر -فلمعت أسنانه البيضاء-:"لم أنفجر كما انفجرت بالطبع، بل رددت بكل هدوء، أقل شيء نحن نحترم نساءنا، فلا يخرجن للجري وراء لقمة العيش، هن ملكات عندنا تلعثمت الفتاة ورجعت لبيتها المواجه لمشروع دار المهتدين الجدد، وتتابعت الأيام وتحولت النقاشات المستفزة إلى حوارات هادئة، وتحولت الكلمات إلى تيار يسري بالنفوس فيهزها هزا، وتحولت العبارات إلى قناعات، ومن ثم تحولت القناعات إلى فعل وإرادة وإسلام".
هتفت فرحا: أسلمتْ؟!
فرد بكل هدوئه المعتاد:"بالطبع، لقد مكثتْ تناقشني طويلا، ربما أشهر، لا تنس أنها معتادة أن تأتي يوميا لمكان المشروع لبيع (الويكة) والرز المطبوخ باللبن لعمالنا، وكانت تستثمر فترة الظهيرة في المناقشات والأسئلة، كنت أظن أن أسئلتها لن تنتهي مطلقا، وكنت بين الحين والحين أترقب ظهور والدها ليفي بوعده وينهي حياتي، كما أخبرني سابقا، نعم أسلمت الفتاة وتلقت -وما زالت تتلقى- من الإهانات والذل من أبيها ما لا يحتمله بشر. لا تنس أن أباها قس المدينة وراهبها."
سألته: ولكن ما الذي يجبرها على الخروج تلك الساعة تحت هذه الأمطار بهذه الهيئة؟
هنا تنبهنا أنه كان من واجبنا أن نستوقفها ونسألها، حاولنا اللحاق بها لكننا لم نستطع تتبع آثارها تحت هذا المطر الاستوائي العنيف.
في اليوم التالي عرفنا أنها خرجت من بيتها مطرودة من أبيها القس، واحتارت الفتاة أين تذهب، وأين تبيت الليلة المؤلمة تلك، فإذا بها ترى أذرعا دافئة مشرعة نحوها، لقد أبصرت من بعيد مئذنة جامع البيان، ففرحت وعدت ذلك بمثابة الحفظ الإلهي لها -على حد قولها-باتت بالمسجد، وحين أصبح الصباح وجدها الشيخ سليمان، فأرسلها لبيته، أخبرها أنها من الآن هي أخت لنا جميعا، وأسر لأهل بيته بالعناية بها وتحملها مهما فعلت.