فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 64

المبارك إلا بخبيئة كانت له [1] .

قال عون بن عبدالله في نصحية للمتصدقين والمنفقين: إذا أعطيت المسكين شيئًا فقال: بارك الله فيك، فقل أنت: بارك الله فيك، حتى تخلص لك صدقتك [2] .

لأنه يريد بهذه الوصية أن تكون صدقتك خالصة لله عز وجل وليس فيها حظ من حظوط النفس .. وقد روي مثل ذلك عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

وهذا الحسين بن زياد وكأنه يخاطب أحدنا على ضعفنا وقصورنا وتفريطنا وتسويفنا فيقول: تريد الجنة مع النبيين والصديقين، وتريد أن تقف المواقف مع نوح وإبراهيم ومحمد عليهم الصلاة والسلام، بأي عمل؟! وبأي شهوة تركتها لله عز وجل؟! وأي قريب بعدته في الله وأي قريب قربته في الله؟

قال ابن رجب: العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياء مخضًا كحال المنافقين، قال تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [3] .

وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة أو الحج أو غيرهما من الأعمال الظاهرة، أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.

وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه، وإن كان أصله لله ثم طرأ عليه نية الرياء، فإن كان خاطرًا ثم دفعه فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه فهل يحبط عمله أو لا؟ فيجازى على أصل نيته، فيه خلاف رجح أحمد وغيره لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته

الأولى.

ولا يظن الظان أنه يكتفي فيه بحبوط عمله فلا له ولا عليه، قال الشيخ: بل هو مستحق للذم والعقاب، وقد دل الكتاب والسنة على حبوط العمل بالرياء، وجاء الوعيد عليه.

وأما إذا عمل العمل لله خالصًا، ثم ألقى الله الثناء الحسن في قلوب المؤمنين، ففرح بفضل الله ورحمته واستبشر بذلك لم يضره، وفي حديث أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه، فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» [4] ، وفي حديث أبي هريرة: يدخل علي الرجل في بيتي وأنا أصلي فيسرني ذلك، فقال: «يرحمك الله لك أجران، أجر السر وأجر العلانية» لأنه لم يقصد رؤية أحد عند الشروع، ولا قام

(1) صفة الصفوة 4/ 146.

(2) حلية الأولياء 4/ 253.

(3) سورة النساء، الآية: 142.

(4) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت