فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 64

رحمه الله: حكي أن أبا حامد الغزالي بلغه أن من أخلص لله أربعين يومًا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسان، قال: فأخلصت أربعين يومًا فلم يتفجر شيء، فذكر ذلك لبعض العارفين، فقال لي: إنك إنما أخلصت للحكمة، ولم تخلص الله تعالى.

ثم قال ابن تيمية: وذلك لأن الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة، أو نيل المكاشفات والتأثيرات، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه، أو غير ذلك من المطالب، وقد عرف أن يحصل ذلك بالإخلاص لله وإرادة وجهه، فإذا قصد أن يطلب ذلك بالإخلاص لله وإرادة وجهه كان متناقضًا لأن من أراد شيئًا لغيره فالثاني هو المراد المقصود بذاته، والأول يراد لكونه وسيلة إليه. فإذا قصد أن يخلص لله ليصير عالمًا أو عارفًا أو ذا حكمة أو صاحب مكاشفات وتصرفات ونحو ذلك، فهو هنا لم يرد الله، بل جعل الله وسيلة له إلى ذلك المطلوب الأدنى [1] .

ولذا يقول الشاطبي رحمه الله: إن الفاعل للسبب عالمًا بأن المسبب ليس إليه، إذا وكله إلى فاعله وصرف نظره عنه كان أقرب إلى الإخلاص، فالمكلف إذا لبى الأمر والنهي في السبب من غير نظر إلى ما سوى الأمر والنهي، خارج عن حظوظه، قائم بحقوق ربه، واقف موقف العبودية، بخلاف ما إذا التفت إلى المسبب وراعاه، فإنه عند الالتفات إليه متوجه شطره، فصار توجهه إلى ربه

(1) الدرء 6/ 66، 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت