فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 64

فدعا به ليلًا ووزن له عشرة آلاف درهم، وحلفه أن لا يخبر أحدًا ما دام عبد الله حيًّا، وقال: إذا أصبحت فأخرج الرجل من الحبس [1] .

أخي المسلم:

لما حرض أولئك الأولياء على الإخلاص التام وإخفاء الطاعات في سبيل تحقيق كمال التجرد لله وحده لا شريك له، فإن الله تعالى جازاهم في العاجلة بالقبول والثناء الحسن، وجعل الله لهم لسان صدق لأنهم سعوا إلى تحقيق مرضاة الله فرضي الله عنهم، وأرضى عنه الناس.

(ولقد جعلوا الإخلاص غاية ومقصدًا، فلم يتوسلوا به إلى تحقيق رضى الناس عنهم، فمن أخلص الله تعالى ليصير له قبول وثناء حسن فهو لم يرد الله تعالى، بل جعل الله وسيلة له) أما غير المخلصين من المرائين وأهل العجب وأصحاب (العقل المعيشي) فما نالوا إلا ذم الناس وسخطهم، عقوبة لهم على نقيض قصدهم والوعيد الشديد لهم في الآخرة [2] .

خرج داود الطائي إلى السوق فرأى الرطب، فاشتهته نفسه فجاء إلى البائع فقال له: أطعني بدرهم إلى الغد، فقال له: اذهب إلى عملك، فرآه بعض من يعرفه فأخرج له صرة فيها مائة درهم، وقال: اذهب فإنه آخذ منك بدرهم فالمائة لك، فلحقه البائع وقال له: ارجع خذ حاجتك، فقال: لا حاجة لي منه إنما جربت هذه النفس فلم أرها تساوي في هذه الدنيا درهًا وهي تريد الجنة [3] .

قالت امرأة هشام بن حسان: كنا نزولًا مع محمد بن سيرين في داره، وكنا نسمع بكاءه في الليل وضحكه بالنهار [4] .

بكاؤهم في الليل خوفًا وطمعًا يرجون رحمة ربهم، وضحكهم بالنهار إخفاء لحالهم وإظهارًا للإخلاص وعدم إبداء التعب والحزن وآثار الجهد من قيام الليل.

روي عن بعض الحكماء أنه قال: مثل من يعمل الطاعات للرياء والسمعة كمثل رجل خرج إلى السوق وملأ كيسه حصاة، فيقول الناس: ما أملأ كيس هذا الرجل، فلا منفعة له سوى مقالة الناس، ولو أراد أن يشتري له شيئًا لا يعطى به شيئًا، كذلك الذي عمل للرياء والسمعة لا منفعة له سوى مقالة الناس، ولا ثواب له في الآخرة، كما قال الله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [5] ، يعني الأعمال التي عملوها لغير وجه

(1) صفة الصفوة 4/ 141.

(2) معالم في السلوك، ص 92.

(3) صفة الصفوة 3/ 139.

(4) الزهد، ص 422.

(5) سورة الفرقان، الآية: 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت