ـ إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم فقد نجاها الله فارجعوا.
فقال أبو جهل بن هشام:
ـ والله لا نرجع حتى نرد بدرا ـ وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام ـ فنقيم عليه ثلاثا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا فامضوا.
لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر فكاد ذلك أن يثنيهم فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة ابن مالك وكان من أشراف بني كنانة فقال:
ـ أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه ...
غرهم لعنه الله حتى ساروا وسار معهم ،فأسلمهم لمصارعهم فلما رأى الجد والملائكة تنزل للنصر وعاين جبريل نكص على عقبيه وفر، هذا معنى قوله تعالى:
(ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب )
كان أبو بكر الصديق مع الرسول في العريش كما كان معه في الغار رضي الله عنه وأرضاه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الابتهال والتضرع والدعاء ويقول فيما يدعو به:
ـ"اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض"
وجعل يهتف بربه عز وجل ويقول:
ـ"اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم نصرك"
ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط الرداء عن منكبيه وجعل أبو بكر رضي الله عنه يلتزمه من ورائه ويسوى عليه رداءه ويقول مشفقا عليه من كثرة الابتهال:
ـ يا رسول الله بعض مناشدتك ربك فانه سينجز له ما وعدك.
ـ"اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم أحنهم الغداة."