فهرس الكتاب
وإذا أقيمت البينة فلا وجه للقول بعدم سماعها أو بعدم قبولها، فهي بينة عادلة شهدت بما يحتمل الصدق فتقبل كسائر البنيات، وأمر الغلط هذا وارد على بنى آدم لأنه- وكما ذكرنا- وهم يقوم في ذهن الشخص فيصور له الأمر على غير الحقيقة، هذا ولا يرتبط سماع البينة أو قبولها بما اشترطه الشافعية من أن يكون للغلط وجه محتمل، بل يكفي أن يقول: لقد سبق لساني إلي هذا لأقول من غير قصد له. فإذا أقام البينة على ذلك قبل قوله، وإني لأعجب ممن يوجبون التمسك بخطأ شهدت البينة العادلة بضده.
هذا وإذا أقيمت البينة العادلة خير المشتري بين قبول المبيع بثمنه الجديد وفسخ العقد وفي هذا تحقيق للعدل الكامل بين طرفي العقد، فلم نلزم المشتري بالثمن الجديد لأنه ربما كان عليه ضرر في التزامه، فقد دخل في البيع وارتضاه من قبل على أساس الثمن الأول، وقد لا يناسبه الثمن الجديد. فإذا اختار دفع الزيادة فله ذلك وإن اختار الفسخ فذلك حقه.
هذا وقد اختلف الفقهاء فيمن اشتري السلعة ممن لا تقبل شهادتهم له: كابنه وأبيه وأمه، ثم أراد أن يبيعها مرابحة، هل يجب عليه بيان ذلك أم لا؟، لأن ذلك من باب الغلط أيضًا في صفة من صفات المتعاقد.
فذهب الحنفية (42) والحنابلة (43) إلي وجود البيان لأنه تهمة المسامحة في شرائه من هؤلاء، فكانت التهمة وهي الشراء بزيادة الثمن قائمة فلابد من البيان.
وقال الشافعي (44) ، يجوز وإن لم يبين؛ لأنه اشتراه بعقد صحيح وأخبره بثمنه فأشبه ما لو اشتراه من أجنبي، وقد أوجب بعض الشافعية وجوب البيان مع الشراء من ابنه الطفل دفعًا للتهمة.
وفرق الإمام مالك بين ما كان فيه محاباة (فلم يجز بيعه مرابحة إلا ببيان) وما كان بيعًا صحيحًا، فقد جعله بمنزلة الشراء من أجنبي فلم يوجب البيان (45) .